الأعمدة

حكومة ما بعد الثورة: قراءة واقعية وتفحص ضروري

بقلم/ إيهاب الأمين
بعد ثورة ديسمبر المجيدة تلك الهبّة التي خرج فيها الشعب السوداني بصدور عارية وإرادة لا تلين جاءت حكومة قوى الحرية والتغيير فاستقبلها الناس بالفرح والرجاء وظنوا أن صفحة جديدة قد فتحت بعد ثلاثين عاماً من القهر والظلام، لكن تلك الحكومة على ما حملته من آمال عراض وقعت في أخطاء كبيرة وكثيرة، والتوقف عندها اليوم ليس ترفاً فكرياً ولا شماتة سياسية بل هو واجب وطني وأخلاقي فمن لا يقرأ تجربته بصدق لن يصحح مساره ومن لا يعترف بخطئه محكوم عليه بتكراره لذلك أطلب من الإخوة مؤيدي قحت أن يستمعوا بصبر وتروٍّ فإن خالفناهم الرأي في شيء فلن يضيرهم ذلك ولن يقلّل من شأنهم فالحديث هنا حديث محب حريص لا حديث خصم متربص.
ولكنّنا قبل أن ندخل في تفصيل الأخطاء علينا أن نقرّ بواقع مهم لا يقبل المزايدة وهو أن أخطاء تلك الحكومة المدنية لا علاقة لها بما ظل يردده فلول النظام البائد وأنصار الكيزان من أكاذيب وتشويه، فذلك الخطاب لم يكن نقداً ولا تقويماً بل كان حرباً شعواء هدفها اغتيال الثورة ذاتها وتشويه كل ما أتت به، فنحن إذن نتحدث عن أخطاء حقيقية من داخل التجربة لا نتردد في تسميتها بأسمائها لكننا نرفض أن يخلط أحد بين نقدنا المشروع وبين ترويج الفلول.
إذا افترضنا أنّ الشراكة مع العسكر فرضتها ظروف معقدة لم يكن للمدنيين فيها خيار كامل فإن الوثيقة الدستورية التي جمعت الطرفين كانت واضحة في تحديد الأدوار فقد نصت على أن المجلس السيادي مؤسسة شرفية لا نفوذ لها في العمل التنفيذي وأن العسكر فيه ليسوا حكاماً بل رموز بروتوكولية لكن الطرفين لم يلتزما بهذا الاتفاق أو بالأحرى لم يلتزم به العسكر وتغاضى عنه المدنيون، رأينا المجلس السيادي ورئيسه العسكري يتحولان إلى مركز ثقل حقيقي وصار رئيس السيادي هو الحاكم الفعلي للبلاد وهذا لم يحدث بقوة السلاح وحدها بل حدث بسبب ضعف المدنيين وعدم محاولتهم كبح هذا النفوذ المتصاعد الذي يخالف نصوص الوثيقة وروحها.
ومضى الأمر أبعد من ذلك بكثير إذ كُلف رئيس قوات الدعم السريع برئاسة اللجنة الاقتصادية العليا وهي لجنة كان ينبغي أن يرأسها رئيس الوزراء بحكم موقعه التنفيذي وبحكم معرفته الاقتصادية، وبمراجعة ما وثقته القنوات الفضائية يتضح أن تكليف حميدتي بهذا المنصب كان قرارا من الدكتور حمدوك نفسه وفي حوزتي فيديوهات من بعض الفضائيات الإخبارية تثبت ذلك ولكن حتى إن افترضنا جدلاً أن الدكتور حمدوك لم يكن له علاقة مباشرة بالأمر فإن هذا لا ينفي مسؤوليته إذ كان يفترض به أن يرفض هذا الوضع رفضاً قاطعاً لأنّه يخالف الوثيقة الدستورية التي حدّدت للعساكر مهام شرفية لا تنفيذية.
ومن الأخطاء الكبيرة التي لا يمكن تجاوزها أن الحكومة لم تسارع إلى محاكمة قيادات النظام السابق فقد ظل هؤلاء في السجون شهوراً طويلة دون محاكمة ودون إدانة وهذا وضع عبثي لا معنى له إذ كان ينبغي التعجيل بإدانتهم بالشرعية الثورية لأنّ بقاءهم في السجن دون إجراءات قضائية سريعة أتاح لهم مساحة للتحريك والتآمر من خلف القضبان وأعطى أنصارهم في الخارج ذريعة للقول إنّ الاعتقال سياسي وليس قانونياً.
كذلك لم تهتم الحكومة باحتياجات الشعب ومعيشة المواطن والأسر اليومية، صحيح أن الدكتور حمدوك قام بإجراءات مهمة على المستوى الكلي كرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب والسعي لإعفاء الديون لكن المواطن البسيط لم يرَ أثر ذلك في طعامه ودوائه ومواصلاته ولم يتبدل شيء ملموس في معاناته اليومية فظل يشعر أن الثورة لم تصل إلى مطبخه ولا إلى جيبه وهذا شعور خطير لأنه يجعل الحاضنة الشعبية تتآكل يوما بعد يوم.
وكان الدكتور حمدوك ضعيفاً في مواجهة الآلة الإعلامية للنظام البائد وهذا الضعف ظهر في مواقف عدة أخطرها إعفاء الدكتور عمر القراي الذي ظل إعلام الكيزان عبر وسائط التواصل الاجتماعي يتهمه بالكفر والزندقة وهي عادتهم القديمة في اغتيال شخصية كل من يريدون إسقاطه فبدل أن تقف الحكومة خلف القراي وتدافع عنه وتكشف زيف تلك الحملة رضخ حمدوك للضغط وأعفاه من منصبه وكان يجب بدءاً تكسير تلك الآلة الإعلامية باعتقال رؤوسها ومحاكمتهم بالشرعية الثورية لا الاستجابة لابتزازهم، وغاب عن الحكومة المدنية أن تبني لنفسها آلة إعلامية قوية تنافح عن الثورة وتوضح إنجازاتها وتكشف خصومها، لم يُنشأ إعلام حكومي فاعل ولم تُستقطب شخصيات ثورية أو مهنية ذات تجربة عميقة لإدارة الفضائيات والمؤسسات الإعلامية بل جاءت معظم الإدارات بنظام أقرب إلى التمكين الكيزاني القديم ورأينا عناصر حزبية غير ذات خبرة ولا تمرس تتسلم مواقع حساسة وبلغت الغفلة حد تسليم فضائيات ولائية لإدارات من فلول النظام البائد فكانوا يطعنون الثورة من داخل مؤسساتها.
أما الخطأ القاتل ذلك الذي لا يغتفر فهو عدم التحسّب لنتيجة كانت متوقعة وعرفها كل الناس وقطعاً لم تغب عن ذهن الحكومة المدنية فقد نصّت الوثيقة الدستورية على استبدال رئيس المجلس السيادي بشخص مدني بعد انقضاء فترة محددة وكان واضحاً كالشمس أن رئيس السيادي العسكري لن يقبل بتسليم الرئاسة لشخص مدني طوعاً وأنّه سيقوم عندئذ بتصرفات أخرى تقلب الأمور رأسا على عقب، لم يقم المدنيون بعمل أي احتياطات لهذا الأمر المتوقع، لم يبنوا تحالفات حماية ولم يعدّوا الشارع ولم يضعوا خططاً بديلة فكان الانقلاب عليهم سهلاً ميسراً.
وقد يقول قائل إن العسكر بيدهم السلاح والمدنيون لا يملكون ما ينافحون به وهذا كلام ليس دقيقا، فالدكتور حمدوك كان معه الشارع، وكان معه كل الشعب السوداني أو جله ولا يمكن لأي جيش أن يقتل شعباً بأكمله، كان السلاح الحقيقي في يد حمدوك هو الشرعية الشعبية لكنه كان ضعيفاً فلم يحسن استخدامه. ولعل من أشد ما يؤلم في هذا السياق أن حمدوك فرط في الحزب الشيوعي السوداني وهو من أهم المكونات التي صنعت الثورة وحركت الشارع، أعفى وزراء الحزب الشيوعي انصياعاً للآلة الإعلامية الكيزانية على وسائط التواصل ففقد عنصراً محورياً كان له دور رفيع وضخم في قيام الثورة.
والحزب الشيوعي اختلف الناس معه أو اتفقوا له تجارب كبيرة ومتراكمة في العمل السياسي والتنظيمي، وكان يمكن أن يظل سنداً حقيقياً للحكومة المدنية في مواجهة العسكر وبفقدانه فقد حمدوك أهمّ مكونات قوى الحرية والتغيير وأضعف ظهره في اللحظة التي كان هو أحوج ما يكون فيها إلى ظهر قوي.
هذا بعض ما أردت قوله والحديث لم ينتهِ بعد ففي جعبة تلك التجربة أخطاء أخرى تستحق التوقف والتأمل ولنا عودة إليها إن كان في العمر بقيّة. لكنّني أعود وأؤكد أن هذا النقد ليس من باب الهدم ولا من باب التشفي بل هو من باب الحرص على أن تُقرأ التجربة قراءة صادقة حتى لا نكرر أخطاء الأمس في غد نرجو أن يكون أفضل فالشعب السوداني يستحقّ حكومة تتعلّم من أخطائها ومن أخطاء غيرها، وتستدرك ما فات.

زر الذهاب إلى الأعلى