خالد كودي، بوسطن
معركة الوعي في جبال النوبة- إسقاط الأقلام التي تخدم البندقية
لا يمكن قراءة مقال عبد الله كلشار المعنون “السائرون على خطى البعاتي” إلا بوصفه نموذجًا صارخًا لكيفية نجاح السودان القديم في إعادة إنتاج خطابه داخل عقول بعض أبناء جبال النوبة أنفسهم. فالكاتب – رغم انتمائه إلى النوبة – يتحدث بلسان السلطة المركزية التي مارست القتل، والتصفية، والتهجير، والإفقار، وصناعة الوعي القائم على الدونية، حتى حولت بعض أبناء الهامش إلى أدوات تردّد سردية الجلاد دون وعي، وترى نفسها من خلال مرآته، لا من خلال تاريخها وحقها في الحرية والكرامة.
لقد عملت الأنظمة الفاشية المتعاقبة، عبر التعليم والإعلام والدين والقوانين، على ترويض أبناء النوبة وإقناعهم بأنهم “تابعون”، وأن مصيرهم لا يتحدد بإرادتهم بل بإملاءات المركز، حتى تشكلت طبقة من الكُتّاب والمتعلمين الذين يخدمون – بقصد أو بغير قصد – أجندة من اضطهدهم، ويهاجمون القوى السياسية الوحيدة التي حملت مشروعًا حقيقيًا لتحريرهم
إن مأساة جبال النوبة ليست “أزمة راهنة” ولا “اضطرابًا عابرًا”، بل هي تاريخ ممتد من الاستعمار الداخلي الذي مارسته الحكومات المركزية منذ استقلال السودان، عبر:
– تصفية جسدية ممنهجة،
– تصفية ثقافية ولغوية،
– هندسة اجتماعية قسرية من جهلاء ومتخلفين،
– التجنيد القسري واستخدام النوبة وقودًا لحروب المركز،
– الترحيل القسري وإنشاء قرى السلام كمعسكرات إخضاع،
– منع التعليم أو تجييره لخدمة الأدلجة المركزية،
– هدم المنازل تحت مسمى “الوجوه الغريبة”
– وتهميش قانوني وسياسي ممنهج.
إن مقال عبد الله كلشار وأمثاله لا يدافع عن النوبة كما يزعم، بل يواصل خطاب التجهيل الذي يسعى إلى طمس جذور اضطهادهم، وتحويل الضحية إلى متهم، وتصوير الحركة الشعبية—التي قدّمت الدماء لحماية إنسان النوبة وتأسيس دولة تعترف بكرامته—كخصمٍ لهم، رغم أنها القوة السياسية الوحيدة التي طرحت مشروع السودان الجديد لإنهاء الإبادة الثقافية والجسدية التي مورست عليهم لعقود.
هذا الخطاب ليس عفويًا ولا بريئًا؛ إنه انعكاس لعمق الجرح الاستعماري في جبال النوبة، ودليل على نجاح المركز في إنتاج سردية تبدو وكأنها صادرة من أبناء النوبة، بينما هي في جوهرها استمرار لهيمنته داخل وعي من تعرّضوا للقمع والتمييز جيلاً بعد جيل.
أولًا: جرائم السودان القديم في جبال النوبة — تاريخ لا يمكن تغييبه
. ١/ التصفية الجسدية والثقافية: حرب وجود لا خلاف سياسي
مارست الحكومات المركزية المتعاقبة سياسات ممنهجة لاستئصال إنسان جبال النوبة عبر:
– حملات الإبادة الجماعية (1992–1995)،
– تصفية المعلمين والمثقفين والطلاب — ودماء خور العفن شاهد لم يجف،
– تدمير القرى،
– حظر اللغات المحلية،
– فرض برامج الأسلمة والتعريب القسري،
– وتسليح مليشيات لقمع المجتمعات الأصلية
إن اختزال الأزمة الراهنة كأنها “فتنة طارئة” تجاهلٌ متعمد لستة عقود من العنف المنظم والإفقار المقصود.
. “٢/ ما سمي بقرى السلام”: هندسة اجتماعية لإخضاع النوبة
لم تكن ماسمي ب“قرى السلام” مشروعًا إنسانيًا، بل واحدة من أسوأ آليات العقاب الجماعي:
– تفريغ القرى الأصلية،
– فصل السكان عن أراضيهم،
– إخضاعهم لرقابة أمنية دائمة،
– تقييد التعليم والحركة،
– وصناعة تبعية اقتصادية للمركز
لقد كانت معسكرات اعتقال وتصفيات ناعمة صيغت حكوميًا لتكسير الإرادة وتفكيك الهوية.
. ٣/ استخدام النوبة وقودًا لحروب المركز
استُخدم أبناء النوبة لعقود كقوة قتالية في حروب لا تخصهم:
في الجنوب، في الشرق، في دارفور، وفي أجهزة الأمن.
كانوا جنودًا ضروريين للمركز، لكنه لم يعترف بهم يومًا كمواطنين كاملي الحقوق، ولايزال!
. ٤/ الأحزمة السوداء، والعشوائيات حول المدن: عنصرية مؤسسية
ظهور “الأحزمة السوداء” والعشوائيات في أطراف الخرطوم ومدني وبورتسودان لم يكن خيارًا، بل نتيجة مباشرة لـ:
– حرمان أبناء النوبة من السكن والعمل داخل المدن،
– هدم منازلهم تحت قوانين “الوجوه الغريبة” و”السكن العشوائي،
– التمييز الاثني والديني والجهوي،
– وممارسات الكشة التي كانت تعيد إنتاج الإهانة بصورة دورية
الكاتب الذي يتصنّع القلق على “شعب النوبة” اليوم هو نفسه يتجاهل هذا التاريخ — وربما يتعمّد تجاهله — لأنه يناقض الرواية التي يحاول ترويجها.
ثانيًا: الحركة الشعبية… صوتٌ أصيل للمهمَّشين لا صدى لخطاب المركز
منذ تأسيسها في عام 1983 على يد الدكتور جون قرنق دي مابيور، شكّلت الحركة الشعبية لتحرير السودان الإطار السياسي–الثوري الوحيد الذي قدّم مشروعًا متكاملًا لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة. وقد تميّزت الحركة، في تجربتها داخل جبال النوبة (1990–2025)، بأنها:
– رفعت شعار السودان الجديد بوصفه مشروعًا لتفكيك دولة المركز وبناء دولة مواطنة متساوية،
– طالبت بإقامة دولة علمانية ديمقراطية تستند إلى الفصل بين الدين والدولة وحماية التعدد الثقافي،
– دافعت تاريخيًا عن حق شعوب جبال النوبة في تقرير المصير وفق الأعراف الدولية للاعتراف بالشعوب الأصلية،
– حافظت على استمرارية التعليم المدني في زمن الحرب رغم القصف الجوي المستمر من قبل القوات الحكومية (1992–1995)
– أنشأت مدارس مجتمعية ومناهج تراعي الهوية الثقافية وتُحافظ على اللغات المحلية،
– واصلت التعليم في أقسى الظروف، حيث كان الأطفال يتلقّون الدروس تحت الأشجار أو داخل الكهوف أثناء الغارات الجوية،
– وقفت إلى جانب السكان في الدفاع عن حياتهم وأرضهم وثقافتهم في كل مراحل الحروب.
إن الخطاب الذي يصف الحركة الشعبية بـ “الخيانة” ليس خطابًا سياسيًا ناضجًا، بل إعادة تدوير لخطاب السودان القديم الذي لطالما أراد رؤية النوبة جنودًا لا مواطنين، تابعين لا شركاء، صامتين لا صانعي تاريخهم. وهو نفس الخطاب الساذج الذي وصفه فرانز فانون في بشرة سوداء، أقنعة بيضاء بأنه خطاب المستعمِر حين يُعاد إنتاجه داخل وعي المقهور.
قوانين الأرض والتصالحات المجتمعية: إنجازات ثورية غير مسبوقة
من أهم ما أنجزته الحركة الشعبية في جبال النوبة خلال السنوات الماضية—وهو إنجاز موثّق في وثائق الحكم الذاتي ومشاريع الإدارة المدنية التابعة لمناطق سيطرة الحركة—ما يلي:
١/ تشريع قوانين الأرض على أساس الملكية المجتمعية
(Community Land Rights)
قامت الحركة بتقنين ملكية الأرض للقبائل والمجتمعات المحلية، وفق مبادئ مشابهة لما ورد في “إعلان الأمم المتحدة لحقوق “الشعوب الأصلية”
(UNDRIP, 2007)
والذي ينص على:
حق الشعوب الأصلية في امتلاك أراضيها ومواردها وإدارتها وفق أعرافها الخاصة.
وبذلك حمت الحركة الأرض من:
– استيلاء الدولة المركزية،
– والاستثمار القسري،
– وسياسات “منح الأراضي” للمليشيات أو المستثمرين،
– ومحاولات التعريب والتهجير القسري.
وقد كانت هذه المرة الأولى في تاريخ السودان التي تُقنن فيها الأرض كحق جماعي غير قابل للمصادرة.
. ٢/ إبرام مصالحات استراتيجية مع قبائل كردفان كافة
على مدار الأعوام 2011–2020، والي اليوم، عقدت الحركة سلسلة من الاتفاقات المحلية التي هدفت إلى:
– إنهاء الثأرات التاريخية،
– الاقتتال بين المجتمعات،
– خلق نظام شراكة عادلة في الموارد،
– حماية المسارات الرعوية،
– ضمان توزيع عادل للمياه والمزارع،
– وقطع الطريق نهائيًا على سياسات “فرّق تسُد” التي استخدمتها الخرطوم لعقود
Small Arms Surveyوقد وثقت منظمات دولية مثل السودان كونسورتيوم و
الطبيعة البنّاءة لهذه الاتفاقات التي منعت اندلاع حروب محلية رغم ضغوط الحكومة المركزية لإشعال صراعات إثنية
. ٣/ تجاوز تاريخ الخرطوم: بناء مجتمع سياسي ناضج
بفضل هذه التشريعات والتحالفات المجتمعية، تمكنت الحركة الشعبية من:
– خلق نموذج لحكم محلي، وإدارة مدنية في زمن الحرب، قائم على احترام الحقوق، وعلى شراكة حقيقية بين المجتمعات، وليس على الاستعلاء المركزي أو الإقصاء العرقي.
هذا النموذج—رغم موارده المحدودة وحصار الحرب—تفوق أخلاقيًا وسياسيًا على جميع حكومات الخرطوم المتعاقبة التي مارست:
التمييز، التجريف الثقافي، المصادرات، والهندسة الاجتماعية القسرية من قبل الجهلاء والاجلاف.
إن الحركة الشعبية في جبال النوبة ليست “ظاهرة عابرة”، ولا “حركة سلاح فقط”، بل هي مشروع سياسي–اجتماعي متكامل، صُمّم للدفاع عن شعبٍ خضع لقرن من الاستعمار الداخلي، ولتحرير إرادة الإنسان النوبي الذي جرى سحقه رمزيًا وماديًا منذ قيام الدولة المركزية.
وهي الحركة الوحيدة التي قدمت:
نظرية سياسية لبناء دولة جديدة، تشريعًا للأرض يحفظ حقوق الشعوب الأصلية، نموذجًا تعليميًا مقاومًا، وتحالفات مجتمعية تمنع تفكك الإقليم.
ولذلك فإن نقد الحركة الشعبية من منطلقات عاطفية أو دعائية لا يرقى إلى مستوى التحليل العلمي، ولا يُلامس حقيقة ما أنجزته على الأرض في واحدة من أعقد مناطق الصراع في العالم.
ثالثًا: التعليم تحت القصف — معجزة الصمود وبوصلة الكرامة “الجد جد”!
في جبال النوبة، لم يكن التعليم خدمة اجتماعية عابرة، بل فعل مقاومة ومعركة يومية لحماية الوعي والهوية وحق الإنسان في الوجود. وبينما ظلت حكومات الخرطوم، منذ السبعينيات وحتى اليوم، تعمل على تفكيك البنية التعليمية وقطع الطريق أمام صعود أبناء النوبة، بنت الحركة الشعبية نظامًا تعليميًا بديلًا حافظ على الكرامة، واللغة، والاعتماد على الذات، وحمى الروح الجماعية من الانكسار
١/ التعليم هدفٌ للقصف وسياسة دولة
اتبعت الحكومات المركزية سياسة مدروسة لتجفيف التعليم في جبال النوبة، تجسّدت في:
– قصف مدارس كاودا، وهيبان، والدلنج، والهدرة، وغيرها،
– استهداف مباشر للطلاب والمعلمين كمراكز للوعي،
– تدمير مدارس كاملة مثل مدرسة كمو مؤخرًا رغم وضوحها كمؤسسة تعليمية،
– منع المناهج البديلة وفرض برامج تعريب وأسلمة قسرية،
– إفقار الأسر لمنع أطفالها من الالتحاق بالمدارس،
– وإقصاء الكفاءات النوبية من المواقع العليا بحجة “ضعف التأهيل”
لم يكن هذا القصف خطأً عسكريًا، بل سياسة ممنهجة لإبقاء النوبة خارج المجال الإداري والعسكري والأكاديمي؛ إذ كان الجهل، بالنسبة للدولة المركزية، هو الأداة الأكثر فاعلية لترسيخ الهيمنة وتكريس التبعية.
. ٢/ التعليم تحت الحرب — نموذج الاعتماد على الذات
أمام هذا القمع، حوّل مجتمع جبال النوبة بقيادة الحركة الشعبية التعليم إلى ملحمة صمود:
– مدارس تُبنى تحت الأشجار،
– كتب تُخبَّأ داخل الكهوف،
– أطفال يدرسون في الخنادق،
– معلمون يواصلون التدريس رغم الطيران،
– ومناهج محلية تُرسّخ الاعتزاز بالهوية والثقافة
لقد ابتكر النوبة “تعليم متقدم”، حيث يصبح الوعي هو الحصن الوحيد، والكرامة مادة أساسية في كل درس!.
. ٣/ الامتياز المشروط: حين يستخدم المركز أبناء النوبة ضد مجتمعهم
اتبعت الحكومات استراتيجية مزدوجة: حرمان الغالبية من التعليم، وتمكين عدد محدود في مواقع تنفيذية تحت السيطرة، ليصبحوا وكلاء محليين يطبقون سياسات المركز ضد مجتمعهم.
ومن هذا السياق يظهر نموذج مثل كبرون، “مهندس هدم العشوائيات”، وهو تجسيد لما وصفه فانون:
“حين يُستخدم المضطهد لتأديب المضطهدين، تكتمل دائرة العنف.”
وما يفعله كاتب المقال نفسه امتدادٌ لهذا النمط: نوبي يروّج دون وعي لخطاب الإقصاء الذي صاغته السلطة المركزية، في خدمة مشروعها العنصري!
٤/ روح النوبة… المعركة التي لم تهزمها الحرب
إصرار الحركة الشعبية على حماية التعليم لم يكن سياسة خدمية، بل مشروع تحرّر كامل. فقد حافظت على:
اللغة، الثقافة، قيم الشموخ والكرامة، والوعي الجمعي الذي يمنح النوبة موقع الفاعل لا التابع. لقد صانت الحركة الشعبية روح النوبة أكثر من أي حكومة في الخرطوم منذ الاستقلال، لأنها أدركت أن من ينتصر في معركة الوعي هو من يكتب التاريخ.
رابعًا: ماورد في المقال عن حميدتي والبعاتي — لسنا جزءًا من هذا المسرح!
فما كُتب عن “حميدتي” و”البعاتي”، فهو محاولة لصرف النظر عن جوهر الأزمة.
نحن لا نعلق على ذلك.
ولا يُبنى تحليل سياسي على ثرثرة أو تقنيات تزييف، فمايهمنا هو الموضوعي!
حقيقة الصراع ليست في “البعاتي”، بل في منهجية الدولة المركزية في سحق الشعوب الأصلية… فالينضج الجميع!
خامسًا: الكاتب… صوت المستعمِر لا صوت النوبة
اللغة التي يستخدمها كاتب المقال ومن هم مثله هي ما وصفه فرانتز فانون بدقة ب:
“لغة المستعمِر حين يتحدث بلسان المقهورين دون أن يشعر أنه جزء من منظومة الظلم”
الكاتب يكرر خطابًا استعلائيًا، عنصريًا، مُعادًا لإرادة الشعوب الأصلية،
ويعمل—بوعي أو دون وعي—ضمن مشروع الدولة المركزية التي:
هجّرت، قتلت، دمّرت، وصادرت الأرض، واحتقرت الإنسان.
هو استمرار لسلسلة تاريخية من شخصيات خانت شعوبها: أبو رغال الذي دلّ أعداء أهله، أنطوان لافاليت في الجزائر الذي خدم الاستعمار، أسكيا محمد بنكن في غرب أفريقيا، وغيرهم كثير ممن استخدموا ضد شعوبهم ثم رمتهم الإمبراطوريات في القاع هذه أمثلة تُظهر أن الخيانة ليست انحرافًا فرديًا، بل نتاج بنية سلطة عنصرية تستخدم أبناء المجموعات المهمشة كأدوات ثم تتخلص منهم….
خاتمة: حماية إنسان جبال النوبة — معركة الوعي وروح السودان الجديد:
إن جبال النوبة ليست جغرافيا سياسية تتنازع عليها القوى، بل أفق وجودي وموطن شعبٍ أصيل قاوم لقرون محاولات المحو والتذويب والاستعمار الداخلي. وإنسان النوبة ليس موضوعًا في خطاب الآخرين، بل صاحب سرديته، وفاعلٌ تاريخي في مشروع الدولة التي لم تُبنَ بعد. ومن هنا، فإن حماية إنسان جبال النوبة—أرضًا وذاكرةً وثقافةً وحقًا في تقرير المصير—هي جوهر رؤية السودان الجديد، وليست تفصيلاً ضمن برنامج سياسي عابر.
فالسودان الجديد يبدأ من الاعتراف بأن ما تعرّض له النوبة عبر السودان القديم لم يكن أحداثًا عرضية، بل منظومة مترابطة من:
الإبادة الثقافية، التصفية العرقية، الهندسة الاجتماعية القسرية، التهجير ونزع الأرض، تجريم الهوية، وإقصاء الذاكرة من المجال العام. ولذلك، فإن حماية المدنيين، وصون الأرض والحواكير، وحماية اللغة والتراث، وإعادة الاعتبار للهوية، ليست مهامًا إنسانية فقط، بل شروط تأسيس دولة جديدة لا تقوم على الامتياز المركزي، بل على العدالة التاريخية والاعتراف الكامل بالشعوب الأصيلة…!
خطاب كلشار ومن لف لفه… صدى لوعي المستعمَر ومعادٍ لرؤية السودان الجديد
الخطاب الذي قدّمه كلشار ليس تعبيرًا عن حرص على النوبة، بل يجسّد ما وصفه فرانتز فانون بـ “الوعي المستعمَر الذي يتبنّى لغة الجلاد ويعيد إنتاج منظومته ضد شعبه”. إنه وعي صاغته عقود من سياسات الاستعمار الداخلي التي هدفت إلى:
– إبقاء النوبة في موقع “التابع”
– محاصرتهم بسرديات لا يملكون أدوات كتابتها،
– تجريدهم من تمثيلهم الذاتي،
– وترويض بعضهم ليكونوا وكلاء محليين يعيدون إنتاج الهيمنة المركزية
إن أمثال كلشار، بوعي أو من دونه، لا يواجهون الجلاد بل يوجّهون سهامهم نحو الضحية والناجين والمقاومين؛ ولا يعرّون بنية الظلم، بل يقدّمون لمشروع بورتسودان وجيشها غطاءً أخلاقيًا مصطنعًا يناقض الوقائع التاريخية وسجل السودان القديم.
وما يروّجه الكاتب ليس “رأيًا مخالفًا”، بل إعادة تدوير لخطاب يبرّئ المركز ويجرّم مقاومة الشعوب الأصيلة، ويعمل على إعادة إنتاج الدولة القديمة ذاتها التي ثار عليها الهامش، ولا سيما جبال النوبة…
السودان الجديد… كان هذا عبر تحالف تأسيس او بدونه، البديل الذي يخشاه السودان القديم:
رؤية السودان الجديد لا تكتفي بتغيير شكل الحكم، بل تهدف إلى استبدال بنية السودان القديم بكاملها عبر:
– الاعتراف بحق تقرير المصير،
– إعادة توزيع السلطة والثروة،
– تفكيك الامتيازات الإثنية والدينية والطبقية،
– إقامة دولة علمانية ديمقراطية،
– وبناء جيش جديد ليس أداة قمع،
– وصياغة عقد اجتماعي يعترف بتعدّد الشعوب وهوياتها وحقوقها الأصيلة
هذه الرؤية هي ما يخشاه المركز، وما يحاربه خطاب كلشار لأنه يدرك أن السودان الجديد يعني نهاية امتياز السودان القديم.
وعي الشعوب الأصلية… السدّ الذي لا يمكن تجاوزه:
لقد استعاد النوبة وعيهم عبر الحركة الشعبية: كتبوا تاريخهم بدمهم، واستعادوا لغتهم وثقافتهم، وأدركوا جوهر الصراع، وامتلكوا مشروعًا سياسيًا وأخلاقيًا يحفظ كرامتهم. وهذا الوعي هو قلب السودان الجديد وروحه الحية!
ولذلك، فإن أي محاولة لفرض خطاب من الداخل او الخارج يجرّدهم من حقهم في السرد أو يعيدهم إلى الهامش محكوم عليها بالفشل.
فمن يمتلك الوعي يمتلك الحق، ومن يمتلك الحق يمتلك المستقبل.
وهذا المستقبل—القائم على العدالة، والاعتراف، والمواطنة الحقيقية—هو مستقبل السودان الجديد، وهو الطريق الوحيد لدفن السودان القديم ومعه كل خطابٍ يُعاد إنتاجه ضد الشعوب التي قاومت قرونًا من القهر والإقصاء.
النضال مستمر والنصر اكيد.



