الأعمدة

الزلزال في منزل ترباس… ودعوة الغداء المفقودة!

(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي..
بالأمس، وبينما كنا لا نزال مستيقظين بعد أن انقلب ليلنا في القاهرة نهارًا منذ وفدنا إليها، كان الأحفاد وحدهم يغطّون في أحلام البراءة.
وفجأة، أخذ أثاث المنزل يتراقص لثوانٍ معدودة، ناشرًا الرعب في النفوس. فهرعنا جميعًا إلى شرفة المنزل نستطلع ما يجري، فإذا بالشارع يكاد يخلو تمامًا من الناس، ولم تكن حركة السيارات لافتة، سوى سيارات الإطفاء التي كانت تندفع مسرعة في الطرقات والجسور، تأهبًا وتفقدًا لمختلف المناطق. وانقضت ثواني الزلزال الخمس بسلام، ولله الحمد والشكر.

وفي تلك اللحظة، مرت بذاكرتي الحكاية التي رواها لنا الصديق الفنان الكبير كمال ترباس.
وكان يقيم آنذاك في القاهرة مع أسرته الكريمة، ودعا إلى منزله العامر بالجود نخبة من أصدقائه السودانيين؛ من سياسيين، ومثقفين، ومبدعين، ورجال أعمال وغيرهم، لتناول طعام الغداء.
ومنذ الصباح الباكر اجتهدت حرمه المصون في إعداد مختلف الأصناف المحببة لأبناء السودان، ولا سيما الأكلات الشعبية التي يشتاق إليها المغتربون، حتى ازدانت بها مائدة طويلة عامرة بما لذ وطاب.
وفي الموعد المحدد بدأ الضيوف يتوافدون، وكلما حضر أحدهم وقف الجميع لاستقباله والسلام عليه. وحين وصل السياسي المخضرم الراحل الدكتور منصور خالد وصافح الحاضرين، امتنع الراحل مصطفى محمد نميري عن مد يده إليه.
فسارع ترباس، بحسن نيته المعهود، وأمسك بيد هذا ويد ذاك ليجمع بينهما في مصافحة تنهي ما بينهما من جفاء. لكن قبل أن تلتقي اليدان، مادت الأرض تحت الأقدام، واهتز المبنى بعنف، فإذا بالجميع، مع بقية السكان، يتدافعون نحو السلالم طلبًا للنجاة.
أما تلك المائدة الشهية، فلا أحد يعلم حتى اليوم ما كان مصيرها!
وقد التقيت بعد سنوات بالدكتور منصور خالد في أبوظبي، برفقة الفريق الراحل عبد الرحمن سعيد والصديق المهندس عبد الخالق يوسف، فاستعاد أمامنا تفاصيل تلك اللحظات العصيبة. وذكر بأسف أن سبب امتناع مصطفى نميري عن مصافحته يعود إلى ما أورده هو في بعض كتبه من نقدٍ لمرحلة حكم مايو، التي كان نفسه أحد المشاركين فيها وزيرًا في عدة مواقع، وهو ما اعتبره مصطفى إساءة إلى شخصية شقيقه المشير الراحل رئس السودان الأسبق !
ثم قال الدكتور منصور، رحمه الله، كلمةً بقيت عالقة في الذاكرة:
“لقد خرجنا من تجربة الزلزال تلك بدرسٍ كبير: لماذا يطول الخصام بين الناس، والأرض قد تبتلعهم في لحظات؟ ولماذا لا تتصافح الأيدي وتتسامح القلوب قبل أن يفاجئهم الخطر؟ ومن أسمائه سبحانه: السلام.”
وكانت تلك الحادثة قد وقعت في القاهرة يوم الثاني عشر من أكتوبر عام 1992، عندما ضربها الزلزال الشهير الذي أودى بحياة عدد كبير من الضحايا، نتيجة انهيار بعض المباني والتدافع أثناء محاولات النجاة.
اللهم احفظ مصر، وأدم عليها نعمة الأمن والسلام، واحفظ أبناءها وبناتها، وكل من نزل بها ضيفًا، من كل سوء ومكروه.
اللهم أصلح لنا أعمالنا، وأعنّا على طاعتك، وأحسن خاتمتنا، ونجّنا من شرور الكوارث والفتن والحروب في أوطاننا جميعًا، وأسبغ علينا واسع رحمتك، واغفر لنا ما تقدم من ذنوبنا وما تأخر.
إنك أنت السميع المجيب، الكريم الرحيم.
ولك الحمد والشكر لك يا ربنا في الضراء قبل السراء.
وحمدا لله على سلامة الجميع
اللقطة الضاحكة مع الصديق الفنان ترباس
قبل دخول استديو التصوير في العام 1997.

زر الذهاب إلى الأعلى