الأعمدة

الحوار السوداني السوداني بين استعادة الأمن ومخاوف إعادة تدوير الأزمة

دارفور اليوم أمام سؤال مصيري: هل يبدأ الحوار السوداني السوداني قبل استعادة الأمن والاستقرار في الإقليم، أم ينتظر حتى تتوقف الحرب وتُحسم قضية السيطرة العسكرية؟ والأهم من ذلك: من يملك حق التحدث باسم دارفور، ومن يقرر مستقبل أهلها؟


لقد انقسمت بعض الحركات الموقّعة على اتفاق جوبا لسلام السودان إلى معسكرات متباينة؛ فمنها من يقف إلى جانب القوات المسلحة، مثل مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم ومصطفى تمبور وعبد الله يحيى وغيرهم، ومنها من اتخذ مواقف مؤيدة لقوات الدعم السريع، مثل الهادي إدريس والطاهر حجر وغيرهما.
لكن هل يعني هذا الانقسام أن مستقبل دارفور سيُحسم بين القيادات المسلحة وحدها؟ وأين الأحزاب السياسية، وقوى المجتمع المدني، والعُمد والنُّظّار، والنساء والشباب، والنازحون واللاجئون، وسائر المواطنين الذين دفعوا أثمان الحرب؟
دارفور ليست ملكاً للحركات المسلحة، ولا يجوز اختزال أهلها في معسكرين عسكريين متنازعين.
54 حركة.. والسؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه!
هناك عشرات الحركات المسلحة التي تستخدم مسميات متقاربة، من بينها نحو 54 حركة وتياراً تحمل اسم «تحرير السودان». من حركة عبد الواحد محمد نور، إلى حركة مني أركو مناوي، وحركة تحرير السودان الكبرى، وأجنحة وكيانات أخرى متعددة.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق المواجهة: تحرير السودان من مَن؟ وما الذي تحقق من شعارات التحرير بعد سنوات طويلة من الصراع؟ 54 حركة بأسم ( تحرير السودان )..فمن يحرر دارفور من الحرب ، ومن يمثل أهلها؟
إذا كانت هذه الحركات قد نشأت للمطالبة بالعدالة والسلطة والثروة والتنمية، فلماذا لا تزال دارفور تعاني من الحرب والنزوح وانعدام الأمن؟ وهل ستكون طاولة الحوار فرصة لمراجعة التجربة وتصحيح المسار، أم ستتحول إلى ساحة جديدة لتقاسم المناصب وإعادة إنتاج الأزمة؟
إن مجرد حمل اسم سياسي لا يمنح أي كيان حق تمثيل المواطنين تلقائياً، كما أن امتلاك السلاح لا ينبغي أن يكون معياراً للحصول على مقعد في تقرير مستقبل البلاد.
المطلوب معايير واضحة للتمثيل، تستند إلى الحضور الشعبي والبرنامج السياسي والالتزام بالسلام، مع التحقق من الوضع الفعلي لكل حركة ووزنها التنظيمي.
من يمثّل المدنيين الذين يعيشون تحت سيطرة الدعم السريع؟
ماذا عن المواطنين الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع؟ هل سيشاركون بحرية في الحوار السوداني السوداني، أم ستتحدث عنهم قوى أخرى دون تفويض منهم؟
وكيف ستُعالج أوضاع القوات المسلحة والتشكيلات المقاتلة وقياداتها، والقوى المؤيدة لها، في أي تسوية مقبلة؟
هذه أسئلة لا تحتمل التجاهل. لكن المعالجة العادلة تقتضي التمييز بين المسؤولية عن الأفعال المسلحة وبين الانتماء الاجتماعي؛ فلا يجوز تحميل المجتمعات والقبائل مسؤولية جماعية، ولا إعفاء أي شخص من المساءلة القانونية عن جرائم تثبتها الأدلة.
إن مستقبل دارفور يحتاج إلى الأمن وسيادة القانون والعدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية، لا إلى الانتقام أو الإقصاء.
هل تحتاج دارفور إلى حوار خاص قبل الحوار الوطني؟
ربما آن الأوان لطرح مسار دارفوري دارفوري يجمع الحركات المسلحة والقوى المدنية والإدارات الأهلية والأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني، بما فيها القوى التي لم توقّع اتفاق جوبا، وحركة عبد الواحد محمد نور وغيرها.
حوار يبحث جذور الأزمة: الأرض والحواكير، والسلطة والثروة، والنزاعات الاجتماعية، والتدخلات الخارجية، وأسباب تعثر اتفاقيات السلام السابقة.
ثم تُطرح مخرجاته ضمن حوار سوداني سوداني شامل يعالج مستقبل الدولة ونظام الحكم وتوزيع السلطة والثروة وبناء المؤسسات الوطنية.
ليس المطلوب أن يكون الحواران متنافسين، بل أن يتكاملا، وفق ضمانات تتيح المشاركة الحرة وتحمي المدنيين وتمنع فرض النتائج بالقوة.
ثم ماذا بعد؟
بعد كل هذه الحركات والانقسامات والشعارات، هل سيشهد السودان حواراً يعالج جذور الأزمة، أم سنعود إلى المحاصصات ذاتها، مع تغيير أسماء الأطراف وتوزيع المقاعد؟
إن أي حوار جاد يجب أن يضع في صدارة أولوياته وقف الحروبات والمليشيات المسلحة ، وحماية المدنيين، وعودة النازحين واللاجئين طوعاً وبأمان، ومعالجة قضايا الأرض والتعويضات والعدالة، وإصلاح المؤسسات الأمنية، وإرساء سلام مستدام.
كما يجب ألا يُختزل تمثيل دارفور في الحركات المسلحة وحدها، بل يشمل المواطنين الذين عانوا من الحرب، والإدارات الأهلية، والأحزاب، والنساء والشباب، وسائر القوى المدنية المستقلة.
الخلاصة أن دارفور ليست حكراً على حملة السلاح، والسودان أكبر من المحاصصات.
فمن سيمثل إنسان دارفور في الحوار المقبل؟ ومن سيضمن ألا تتحول التسوية إلى إعادة تدوير للأزمة بدلاً من إنهائها؟
وإذا كان الشعار هو «تحرير السودان»، فمتى يتحرر المواطن من الخوف والحرب والنزوح؟ ومتى تصبح دارفور أرضاً للسلام، لا ساحةً لتنازع الحركات والسلاح؟

زر الذهاب إلى الأعلى