لم تعد الاتهامات التي وجّهتها هيئة محامي دارفور للسفارة السودانية في القاهرة مجرد خلاف إداري حول رسوم أو ترتيبات ترحيل، بل تحولت إلى مرآة تعكس هشاشة الوضع القانوني والإنساني لآلاف السودانيين في مصر. إنها قضية تكشف فجوة خطيرة بين نصوص الحماية الدولية وممارسات على الأرض تُشعر اللاجئ بأنه بلا سند، حتى من الجهة التي يُفترض أن تكون ملاذه الأخير.
الهيئة اتهمت السفارة بمطالبة أسر طلاب في المرحلة الثانوية بدفع مبالغ مالية تصل إلى 12 ألف جنيه مصري مقابل ترحيل أبنائهم الذين أوقفتهم السلطات المصرية، رغم حملهم إقامات سارية وعدم ارتكابهم مخالفات. الاتهام، إن صح، لا يضع علامة استفهام على إجراء إداري فحسب، بل يطرح سؤالاً أخلاقيًا: كيف تتحول مؤسسة يفترض أنها تمثل الدولة وتحمي مواطنيها إلى وسيط في عملية ترحيل قسري؟
الأرقام المتداولة عن توقيف عشرات السودانيين — بينهم نساء وقُصّر — في أقسام حلوان والموسكي وعين شمس والمعصرة وبولاق والدقي والسلام، ليست مجرد إحصاءات. إنها مؤشرات على مناخ خوف يتسع في لحظة حساسة، مع اقتراب امتحانات الشهادة السودانية، التي تمثل بالنسبة لهؤلاء الطلاب طوق نجاة من واقع الحرب والانهيار في بلادهم.
القضية تضع الجميع أمام مسؤوليات واضحة. تنظيم أوضاع غير المواطنين حق سيادي للدول، لكن هذا الحق لا ينفصل عن التزامات قانونية وأخلاقية، خاصة فيما يتعلق بمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين. كما أن الحق في التعليم ليس امتيازًا تفاوضيًا، بل حق أساسي لا ينبغي أن يُقايض برسوم أو يُعطّل بإجراءات مبهمة.
الأخطر في المشهد ليس فقط التوقيف أو الرسوم المزعومة، بل غياب الوضوح. الأسر تقول إنها قدمت وثائق قانونية، والسفارة — بحسب الاتهامات — طالبت بمبالغ مالية للترحيل، بينما تلتزم الجهات الرسمية الصمت. في مثل هذه الحالات، يتحول الفراغ الإعلامي إلى بيئة خصبة للشائعات، ويصبح الخوف هو اللغة السائدة.
السؤال الجوهري هنا: ما هو دور السفارات؟ هل هي مجرد مكاتب إدارية لتوثيق الأوراق، أم مؤسسات لحماية المواطنين في الخارج، خصوصًا في أوقات الأزمات؟ السودان يعيش واحدة من أعقد أزماته الإنسانية، ومواطنوه في الخارج ليسوا سياحًا بل نازحين من حرب. التعامل معهم بعقلية “الإجراء” لا “الحماية” يعمّق شعورهم بالخذلان.
في النهاية، ليست القضية صراعًا قانونيًا فحسب، بل اختبارًا حقيقيًا لقيم العدالة والمسؤولية. هؤلاء الطلاب لا يطلبون امتيازات، بل يريدون الجلوس إلى مقاعد الامتحان بأمان. وبينما تتقاذفهم الإجراءات، يبقى مستقبلهم معلقًا في فراغ بيروقراطي قاسٍ… ينتظر قرارًا إنسانيًا قبل أن يكون إداريًا


