تصنيف الحركة الإسلامية السودانية تنظيمًا إرهابيًا من قبل الولايات المتحدة وأثره على حربهم الدائرة في السودان… قراءة في الماضي واستشراف للمآلات..

المستشار القانوني/#مهيد شبارقة
مقدمة
في خضم التعقيدات المتشابكة التي تحيط بالمشهد السوداني منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يطفو على السطح /سؤال ظل يتردد في أروقة السياسة الدولية والإقليمية الا وهو:
#ماذا لو ذهبت الولايات المتحدة إلى /تصنيف الحركة الإسلامية السودانية تنظيمًا إرهابيًا؟
#وما الأثر الذي يمكن أن يتركه هذا التصنيف على مسار الحرب العبثية ااسودانية وعلى مستقبل الدولة السودانية نفسها…؟
وهذا السؤال لا يأتي من فراغ، بل من سياق تاريخي وسياسي طويل ارتبطت فيه الحركة الإسلامية السودانية وجناحها السياسي المؤتمر البطني والذين شكلا العمود الفقري لنظام الإنقاذ منذ انقلاب عام 1989 – بعلاقات معقدة مع المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة التي وضعت السودان كافة في قائمة الدول الراعية للإرهاب لسنوات طويلة قبل أن يُرفع اسمه منها عام 2020 في مرحلة الحكومة الانتقالية بقيادة المؤسس الدكتور/عبد الله حمدوك.
فاليوم ومع عودة الإسلاميين إلى واجهة المشهد السياسي والعسكري بقوة بعد انكر.الجنرال برهان تواجدهم داخل مؤسسة الجيش وتزايد الاتهامات بوجود دور لهم في إدارة أو دعم العمليات العسكرية في الحرب الدائرة تعود فكرة التصنيف الأمريكي للحركة الإسلامية كتنظيم إرهابي إلى الواجهة ليس فقط كإجراء قانوني أو سياسي بل #كأداة ضغط قد تعيد رسم خريطة الصراع السوداني بالكامل.
اولا: #خلفية تاريخية:
من السلطة إلى العزلة الدولية
لفهم الأثر المحتمل لأي تصنيف أمريكي للحركة الإسلامية السودانية لا بد من العودة إلى جذور العلاقة بين هذه الحركة والولايات المتحدةفمنذ وصول الإسلاميين إلى السلطة عبر انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 بقيادة عمر البشير وبدعم مباشر من الجبهة الإسلامية القومية بزعامة الدكتور حسن الترابي دخل السودان في مرحلة من التوتر الحاد مع الغرب كافة وذلك خلال.
فترة تسعينيات القرن الماضي حيث اتُهم النظام السوداني آنذاك بإيواء شخصيات مرتبطة بتنظيمات إسلامية متشددة من بينها /أسامة بن لادن الذي أقام في السودان لعدة سنوات ومن ثم اخوان مصر القادمين من قطر واصقاع كثيرة وقد أدى ذلك إلى /#فرض عقوبات اقتصادية أمريكية قاسية على السودان عام 1997 ومن ثم /#إدراجه رسميًا في قائمة الدول الراعية للإرهاب من بعد تفجيرات السفارات ومحاولة اغتيال الرئيس المصري حسن مبارك والتي على اثرها تم التنازل عن حلايب وشلاتين وابورماد ومنطقة الفشقة.
تلك المرحلة تركت آثارًا عميقة على الاقتصاد السوداني وعلى علاقاته الدولية إذ تحول السودان إلى /دولة شبه معزولة سياسيًا واقتصاديًا ما أسهم في إضعاف مؤسسات الدولة وإبطاء مسارات التنمية وخلق بيئة هشّة مهّدت لاحقًا لانفجارات سياسية وأمنية متلاحقة.
ثانيا :#ما بعد سقوط البشير:
نهاية الإسلاميين أم إعادة التموضع.؟
مع سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019 تحت ضغط الثورة الشعبية السلمية بدا للكثيرين أن صفحة الحركة الإسلامية في الحكم قد طويت نهائيًا فقد تم حل /حزب المؤتمر الوطني وجرى تفكيك عدد من مؤسسات التمكين المرتبطة به كما واجه عدد من /رموز النظام السابق محاكمات بتهم الفساد والانتهاكات.
غير أن الأحداث التي تلت ذلك أظهرت أن الإسلاميين لم يختفوا من المشهد تمامًا بل أعادوا ترتيب صفوفهم داخل مؤسسات الدولة خصوصًا داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية ومع انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 الذي أطاح بالشراكة المدنية العسكرية بدأت اتهامات تتصاعد بأن عناصر من الحركة الإسلامية استعادت نفوذها داخل المؤسسة العسكرية.
ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتفتح الباب أمام جدل واسع حول الدور الذي تلعبه شبكات الإسلاميين في دعم أحد أطراف الصراع أو التأثير في مساراته.
فكرة التصنيف:
#سلاح سياسي أم أداة قانونية..؟
في هذا السياق ظهرت في بعض الدوائر السياسية والإعلامية الغربية دعوات للنظر في إمكانية تصنيف الحركة الإسلامية السودانية – أو بعض أجنحتها – كتنظيم إرهابي.
فمن الناحية القانونية :
تقوم الولايات المتحدة بتصنيف التنظيمات الإرهابية وفق معايير محددة أبرزها:
١/تورط التنظيم في أعمال عنف أو دعم الإرهاب.
٢/تهديده للمصالح الأمريكية أو أمن حلفائها.
٣/امتلاكه بنية تنظيمية واضحة ونشاطًا عابرًا للحدود.
غير أن تطبيق هذه المعايير على الحركة الإسلامية السودانية ليس أمرًا بسيطًا لأن الحركة ليست تنظيمًا عسكريًا موحدًا بل هي شبكة سياسية وتنظيمية واسعة تضم أحزابًا وجماعات وأفرادًا داخل السودان وخارجه ومع ذلك فإن بعض الأصوات في واشنطن ترى أن تصنيف بعض الكيانات المرتبطة بالإسلاميين السودانيين قد يشكل أداة ضغط فعالة لإضعاف نفوذهم في الصراع الدائر.
ثالثا :#الأثر المحتمل على الحرب الحالية
إذا أقدمت الولايات المتحدة بالفعل على تصنيف الحركة الإسلامية السودانية تنظيمًا إرهابيًا فإن لذلك عدة آثار محتملة على الحرب الدائرة في السودان.
أول هذه الآثار يتمثل في
١/تجفيف منابع التمويل
فالتصنيف يعني عمليًا فرض قيود مالية صارمة على الأفراد والكيانات المرتبطة بالحركة ومنع التعامل معهم دوليًا ما قد يضعف قدرتهم على تمويل العمليات العسكرية أو السياسية.
الأثر الثاني يتعلق
٢/بالعزلة السياسية:
فالتصنيف قد يؤدي إلى إحراج أي أطراف داخلية أو خارجية تتعاون مع الإسلاميين ما يدفع بعض القوى الإقليمية إلى إعادة حساباتها بشأن دعم أطراف الصراع.
أما الأثر الثالث فهو
٣/تعقيد فرص التسوية السياسية.
فوجود طرف مصنف إرهابيًا داخل معادلة الصراع قد يجعل من الصعب إشراكه في أي عملية تفاوضية مستقبلية الأمر الذي قد يطيل أمد الحرب بدلًا من إنهائها.
#فهل يؤدي التصنيف إلى إضعاف الإسلاميين؟
السؤال الأكثر أهمية هنا هو:
هل يؤدي مثل هذا التصنيف فعلاً إلى إضعاف الحركة الإسلامية السودانية؟
فالتجارب الدولية تشير إلى أن تصنيف التنظيمات السياسية أو الأيديولوجية كمنظمات إرهابية لا يؤدي دائمًا إلى إنهائها بل قد يدفعها أحيانًا إلى العمل في السر أو إعادة التشكل بأسماء جديدة.
وفي الحالة السودانية قد يؤدي التصنيف إلى مزيد من الاستقطاب داخل المجتمع حيث قد يرى بعض أنصار الحركة أن الخطوة تمثل استهدافًا سياسيًا أو أيديولوجيًا مما قد يعزز خطاب المظلومية داخل صفوفهم.
رابعا:#الانعكاسات على مستقبل السودان
على المدى البعيد قد يكون الأثر الأهم لأي تصنيف من هذا النوع هو تأثيره على مستقبل الدولة السودانية نفسها.
فإذا أدى التصنيف إلى إضعاف أحد الأطراف الفاعلة في الصراع دون وجود بديل سياسي مستقر فقد يخلق ذلك فراغًا سياسيًا وأمنيًا جديدًا أما إذا جاء ضمن إطار دولي أوسع يهدف إلى دفع الأطراف السودانية نحو تسوية شاملة فقد يشكل عنصر ضغط يساعد على إنهاء الحرب.
لكن المؤكد أن مستقبل السودان لن يتحدد بقرارات خارجية وحدها بل بقدرة السودانيين أنفسهم على إعادة بناء مشروع وطني جامع يتجاوز صراعات الأيديولوجيا والسلطة.
#خاتمة
يبقى الحديث عن تصنيف الحركة الإسلامية السودانية تنظيمًا إرهابيًا احتمالًا سياسيًا أكثر منه واقعًا قائمًا حتى الآن غير أن مجرد طرح هذا الاحتمال يكشف حجم التعقيد الذي وصل إليه المشهد السوداني.
فالحرب الدائرة اليوم ليست مجرد صراع عسكري بين قوتين بل هي انعكاس لأزمة دولة عميقة تشكلت عبر عقود من التداخل بين السياسة والعسكر والأيديولوجيا.
وفي ظل هذه التعقيدات يبدو أن الطريق إلى السلام في السودان لن يمر فقط عبر ميادين القتال أو قرارات التصنيف الدولية بل عبر عملية سياسية شاملة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع وتفتح الباب أمام بناء نظام مدني ديمقراطي قادر على طي صفحة الحروب والانقسامات.



