إنّ التطورات الأخيرة في المشهد المتأزم بين السودان وإثيوبيا لا يمكن فصلها عن السجالات الممتدة بين مصر وإثيوبيا، على خلفية إصرار أديس أبابا على استكمال تشييد وتعبئة سد النهضة بصورة أحادية، وهو ما ظل يثير مخاوف القاهرة ويدفعها، ضمنيًا، إلى استمالة الخرطوم للوقوف إلى جانبها، ليس بوصفها وسيطًا بين الطرفين، بل كشريك في مواجهة تلك المخاوف.
غير أنّ هذه الفرضية، التي تقوم على تساوي التأثيرات السلبية للسد على السودان ومصر، لا تبدو منسجمة تمامًا مع معطيات الواقع الجغرافي والفني، الذي يشير إلى احتمال استفادة السودان من انتظام تدفق مياه النيل الأزرق، واستعادة جزء معتبر من حصته التي ظلت تتبدد عبر عقود طويلة.
وفي ظل هذا التجاذب، تبدو الإشارات إلى حضور عسكري مصري قريب من الحدود الإثيوبية أقرب إلى رسائل ردع رمزية، في وقت لا تخفي فيه إثيوبيا محاولاتها لموازنة ذلك عبر دعم أطراف سودانية، في سياق يشي بإمكانية انزلاق السودان إلى مربع “الحرب بالوكالة”، ليصبح ساحة صراع غير مباشر بين قوى إقليمية.
ويزداد هذا الاحتمال خطورة مع تمدد رقعة الصراع الداخلي إلى إقليم النيل الأزرق، المتاخم للحدود الإثيوبية، بما يفتح الباب أمام تداخلات إقليمية أكثر تعقيدًا، ويضاعف من هشاشة المشهد السوداني.
غير أنّ السودان، في واقعه الراهن، لا يبدو مهيأً للاضطلاع بمثل هذا الدور؛ فالهشاشة الأمنية، والتدهور الاقتصادي، والتفكك الاجتماعي الناتج عن النزوح واللجوء، فضلًا عن تباينات القوى المسلحة، كلها عوامل تجعل من الانخراط في صراع بالوكالة مخاطرة مضاعفة، قد تدفع بالبلاد إلى مزيد من التدهور والعزلة.
وعليه، فإنّ الأولوية الوطنية تظل في تجبير هذا الكسر الداخلي، والبحث عن صيغة جامعة تعيد للسودان تماسكه وسلامه، بدلًا من الانجرار نحو صراعات إقليمية لا تخدم مصالحه، بل تغرقه أكثر في مستنقع التدخلات الخارجية، حيث تتدفق عليه الأزمات كما تتدفق المياه الآسنة!
والله من وراء القصد.



