تقارير

فتات دبلوماسي بمليون دولار… كذبة جبريل إبراهيم الجديدة على سودانيين يبحثون عن الرغيف

خرج بيان وكالة السودان للأنباء عن الاجتماع الذي عُقد في بروكسل، والذي حضره وزير مالية سلطة الأمر الواقع، يحمل عنواناً يوحي بحدث كبير، حيث حوى العنوان التالي: وزير المالية يحصل على “دعم الأعضاء” لإعفاء السودان من “كامل مديونيته” لمنظمة دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ!
ومما لا شك فيه أن لغة البيان مصممة لتصنع انطباعاً بأن حكومة سلطة الأمر الواقع حققت اختراقاً مالياً كبيراً، بينما الحقيقة أبسط وأقل شأناً بكثير مما توحي به الصياغة.
ما الذي حدث؟
منظمة مقرها بروكسل، تضم 79 دولة، أعفت دولةً عضواً من متأخرات اشتراكاتها السنوية، والمبلغ مليون دولار واحد. هذا كل ما في الأمر. لا قرض جديد، ولا منحة، ولا استثمار، ولا إعادة جدولة لدين سيادي. مجرد شطب رسوم عضوية متأخرة، وهو إجراء إداري روتيني تلجأ إليه منظمات دولية كثيرة مع أعضاء يمرون بظروف استثنائية، ولا يستدعي عادة أكثر من فقرة في محضر اجتماع، لا بياناً رسمياً ولقاءات وتصريحات شكر وتقدير.
فما هي هذه المنظمة أصلاً حتى تستحق كل هذا الاحتفاء؟
تأسست منظمة دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ (OACPS) في 6 يونيو 1975، عندما وقّعت 46 دولة نامية اتفاق جورجتاون في العاصمة الجويانية جورجتاون.
وكانت تُعرف في البداية باسم مجموعة دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ (ACP Group)، قبل أن يُغيَّر اسمها في عام 2020 إلى منظمة دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ (Organization of African, Caribbean and Pacific States – OACPS)، لتعكس تطور دورها المؤسسي.
كانت تلك المنظمة، وما زالت، في جوهرها لا تعدو كونها “إطاراً تفاوضياً جماعياً” مع الاتحاد الأوروبي، وليست مؤسسة تمويل أو إقراض.
ومهمتها الأساسية إدارة علاقة أعضائها التجارية والتنموية مع بروكسل، عبر اتفاقيات متعاقبة بدأت بلومي، ثم كوتونو، والآن اتفاقية ساموا.
فهي، في حقيقة الأمر، منتدى تنسيق سياسي بالدرجة الأولى، لا صندوق نقد ولا بنك تنمية، ولا تملك أدوات إقراض سيادي تُذكر أصلاً.
وبعبارة أكثر وضوحاً، فإن الجهة التي “أعفت” السودان ليست دائناً بالمعنى الذي تريد حكومة سلطة الأمر الواقع أن يفهمه الناس، بل هيئة عضوية جماعية شطبت اشتراكاً متأخراً، كما يفعل أي نادٍ مع عضو عاجز ومتعثر عن دفع رسومه.
إلا أن التضليل الأخطر في الخطاب الرسمي هو استخدام عبارة “إعفاء السودان من كامل مديونيته” دون أي توضيح لطبيعة هذا الدين. فالقارئ العادي، حين يقرأ هذه العبارة في بلد تجاوزت ديونه الخارجية نحو خمسين مليار دولار، سيظن أن إنجازاً مالياً كبيراً قد تحقق.
إلا أن الحقيقة أن المبلغ المعني لا يتجاوز جزءاً من “عشرة آلاف” من هذا الرقم، وأنه يخص متأخرات عضوية داخلية لا علاقة لها بالديون السيادية أو باستحقاقات الدائنين الرسميين أو بمسار إعادة الاندماج مع صندوق النقد والبنك الدوليين، وهو المسار الوحيد الذي يمكن أن يُحدث فرقاً حقيقياً في أزمة السودان المالية.
فلماذا إذن هذا الحجم من الاحتفاء بمبلغ لا يكاد يُذكر؟
تأتي الإجابة الأقرب إلى الواقع أن حكومة سلطة الأمر الواقع، المعزولة دولياً والمثقلة بفشلها في إدارة الحرب واقتصادها المنهار، تحتاج إلى أي خبر يمكن تسويقه محلياً كـ”دعم دولي” أو “تضامن”، بصرف النظر عن حجمه أو معناه الفعلي.
وتأتي مشاركة الوزير في اجتماع بروتوكولي، ولقاء عابر مع الأمين العام في ردهة مقر الاجتماع، وأحاديث جانبية مع نظرائه من غامبيا وإثيوبيا والصومال، وكل هذا يُعاد تعليبه في بيان طويل ليبدو إنجازاً دبلوماسياً، بينما لا يقدم البيان نفسه أي دليل على أي نتيجة اقتصادية ملموسة، حيث لا تمويل جديد، ولا برنامج دعم اقتصادي، ولا مشروع استثماري، ولا حتى التزام واضح بتسريع عضوية السودان في أي آلية مالية فعلية.
فما الذي استفاده السودان عملياً من هذه المشاركة؟
البيان نفسه يجيب، وإن بشكل غير مقصود، حيث ترد عبارة فضفاضة: “بحث فرص توظيف سودانيين في الأمانة العامة للمنظمة”.
هذه هي الحصيلة الفعلية التي يمكن الإمساك بها من كل هذه الرحلة؛ مجرد “بحث”، وليس اتفاقاً، وفرص، وليست وظائف، في أمانة منظمة لا تملك أصلاً موازنات إقراض تُذكر.
أما الحديث عن “تسريع المصادقة على اتفاقية ساموا”، فهو نقاش يخص جميع الأعضاء الـ79، ولا يمثل مكسباً خاصاً بالسودان بأي معنى.
يبقى السؤال الذي يتجنبه البيان الرسمي كلياً، ألا وهو: من يتحمل كلفة هذه الرحلات والاجتماعات واللقاءات البروتوكولية، في بلد ينهار اقتصاده وعملته وخدماته الأساسية، ولا يحصل مواطنوه على كهرباء أو دواء أو أمان؟
وزارة تدير دولة تحت الحرب تخصص وقتاً ودبلوماسية لمتابعة إعفاء مليون دولار من رسوم عضوية، بينما يبقى ملف الديون السيادية الحقيقي، وملف العزلة عن مؤسسات التمويل الدولية، بلا أي تحرك يوازي هذا الزخم الإعلامي الكاذب.
القرار في ذاته قد يكون لا ضرر فيه، وربما كان خطوة إدارية عادية لا تستحق النقد لو قُدمت بحجمها الحقيقي. لكن تحويل شطب رسوم عضوية إلى “إنجاز دبلوماسي” يُبنى عليه خطاب رسمي كامل هو، بلا شك، ما يستحق النقد، بل والمساءلة.
فحين تُدار أزمة اقتصادية بهذا الحجم بلغة الإنجازات الصغيرة المضخمة، يصبح السؤال هو: هل تدرك حكومة سلطة الأمر الواقع أصلاً حجم الفجوة بين ما تعلنه وما يعيشه السودانيون، أم أنها ببساطة لا تملك ما تقوله غير هذا، وهو الأرجح بلا شك؟
جبريل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة المسلحة، وصعوده إلى حقيبة المالية جاء عبر تسوية سياسية بعد اتفاق جوبا للسلام، لا عبر أي خبرة اقتصادية أو مالية تؤهله لإدارة موازنة دولة تحت الحرب. ومع ذلك، يتشبث بالمنصب منذ سنوات طويلة، متجاوزاً كل مبررات التغيير التي قد تفرضها أي حكومة تراجع أداءها الفعلي.
فالعملة الوطنية تنهار قيمتها باستمرار، والتضخم يتجاوز مئات في المئة، والحكومة عاجزة تماماً عن دفع رواتب موظفيها في مناطق واسعة من البلاد – عدا قواتها النظامية – وما إضراب المعلمين مؤخراً إلا أوضح دليل على ذلك، وملايين السودانيين يعيشون بلا كهرباء ولا دواء ولا أمان غذائي. لا شيء في هذا السجل يبرر بقاءه في موقعه، ولا شيء فيه يمنحه صفة الرجل الذي يحق له الحديث عن “إنجازات” في المحافل الدولية.
كذبة إعفاء الديون
فحين يخرج هذا الرجل من بروكسل ليعلن “إعفاء كامل المديونية” عن مبلغ لا يتجاوز مليون دولار، فما الذي يحاول فعلاً تحقيقه؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع أنه يمرر كذبة مباشرة ومقصودة على جمهور يبحث عن الخبز والدواء والكهرباء، ويحاول إقناعه بأن حضوره في اجتماعات بروتوكولية ببروكسل يوازي حجم الكارثة التي يعيشها كل يوم. وهو خطاب لا يصدر عن قائد حركة مسلحة تحول فجأة إلى مسؤول تنموي، بقدر ما يصدر عن حاجة سياسية بحتة لإثبات بقائه في المشهد، وتبرير احتفاظه بحقيبة لم يعد يمتلك فيها أي إنجاز يمكن الدفاع عنه أمام الرأي العام.
وهذا الخطاب هو نمط متكرر تتبعه حكومة سلطة الأمر الواقع كلما ضاقت بها السبل، بتحويل أي تفصيل إداري صغير، مهما كان هامشياً، إلى مناسبة احتفالية تُغطى بتصريحات الشكر والتقدير، لأن الاعتراف بحجم الانهيار الفعلي يعني الاعتراف بفشل من يديرون البلاد.
وطالما استمر هذا النمط في الظهور دون مساءلة حقيقية، سيبقى السودانيون يقرؤون عن “إنجازات” لا يشعرون بأثرها في حياتهم اليومية، بينما يتآكل ما تبقى من دولتهم أمام أعينهم.

زر الذهاب إلى الأعلى