من صورة «بيلا كامبوس» إلى فضائح «الكيزان».. حين تتحول الأكاذيب إلى سلاح في يد الحركة الإسلامية

فضيحة الصورة المفبركة تكشف هشاشة الدعاية العسكرية، وتعيد فتح ملفات الانتهاكات الأخلاقية داخل جهاز الأمن والحركة الإسلامية.. من التعذيب واستباحة الأعراض إلى توظيف الدين ستاراً للسلطة والحرب
نيالا – الجمهورية الجديدة | مقال رأي
لم تعد الدعاية التي تمارسها دوائر موالية لجيش بورتسودان مجرد محاولة لتزييف الوقائع العسكرية أو تضليل الرأي العام بشأن مسار الحرب، بل باتت تكشف عن أزمة أعمق: أزمة سياسية وأخلاقية لدى تيار اعتاد أن يرفع شعارات الدين والوطن، بينما يستخدم الكذب والتشهير والتحريض أدوات لتصفية خصومه.
آخر هذه النماذج كان تداول صور لفتى زعم أفراد وحسابات موالية للقوات المسلحة أنه أحد مقاتلي قوات «تأسيس»، وأنه ينتمي إلى عرب دارفور، وتحديداً قبيلة الماهرية، مع إغراق المنشورات بتعليقات تتغزل في مظهره، وأخرى تتعمد الإيحاء باتهامات تتعلق بميوله الجنسية، في محاولة لتحويل الصورة إلى مادة للسخرية والتشهير القبلي والأخلاقي.
لكن المفاجأة أن الصورة الأصلية تعود إلى الممثلة وعارضة الأزياء البرازيلية بيلا كامبوس (Bella Campos)، التي وُلدت ونشأت في مدينة كويابا بالبرازيل، ولا علاقة لها بالسودان أو بالحرب الدائرة فيه.
هكذا سقطت الرواية، وبقي السؤال: إذا كان بالإمكان اختلاق هوية سودانية لشخصية برازيلية لمجرد صورة، فكم من الروايات الأخرى التي يجري تسويقها باعتبارها حقائق، وهي لا تعدو أن تكون منتجات دعائية؟
🟥 من بيلا كامبوس إلى حاج نور.. ازدواجية المعايير وسقوط القناع
المفارقة أن هذه الحملة التي استخدمت الإيحاءات الجنسية والتشهير الأخلاقي لمهاجمة الخصوم، تعيد إلى الواجهة روايات قديمة عن ممارسات داخل أوساط الحركة الإسلامية نفسها.
ففي الذاكرة السياسية السودانية تتردد رواية منسوبة إلى الترابي، مؤسس الحركة الإسلامية وأحد أبرز منظّريها، بشأن شخصية تُعرف باسم «حاج نور»، إذ نُسب إليه وصفه بعبارة: «روح طاهرة في جسد فاسد»، في سياق الحديث عن سلوكيات منسوبة إلى الرجل. وهي رواية تحتاج إلى توثيق تاريخي مستقل قبل التعامل معها باعتبارها واقعة ثابتة.
وتوجد كذلك شهادات وروايات عن انتهاكات جنسية وتعذيب داخل معتقلات جهاز الأمن في عهد النظام السابق، ومن أبرز القضايا التي كشفت طبيعة الانتهاكات داخل تلك المعتقلات قضية الأستاذ أحمد الخير عوض الكريم، مدرس علوم الحاسوب، الذي اعتُقل بمدينة خشم القربة في ولاية كسلا يوم 31 يناير 2019، وتوفي في الأول من فبراير من العام نفسه، بعد تعرضه للتعذيب داخل معتقل جهاز الأمن.
لم تكن جريمة أحمد الخير مجرد واقعة وفاة داخل مركز احتجاز، بل تحولت إلى واحدة من أبرز القضايا التي كشفت ممارسات جهاز الأمن خلال حكم الحركة الإسلامية. وقد أُدين 27 من عناصر الجهاز في القضية، وصدر بحقهم حكم بالإعدام في ديسمبر 2019، وأيدت المحكمة العليا الأحكام في فبراير 2021.
وفي سياق المحاكمة، أُثيرت شهادات خطيرة بشأن طبيعة الانتهاكات الجنسية التي تعرض لها المعتقلون، ومن بينها ما نُسب إلى أحد المتهمين بشأن تكليفه بمهمة وصفها بلفظ «مغتصب». وهي شهادة تستحق إيرادها من واقع محاضر المحاكمة ومصادرها الأصلية.
إن استدعاء هذه الوقائع ليس دفاعاً عن أي انتهاك، ولا تبريراً للتشهير بأي إنسان بسبب مظهره أو ميوله الجنسية؛ فالحياة الخاصة والكرامة الإنسانية ليستا سلاحاً سياسياً. وإنما المقصود كشف التناقض لدى من ينصّبون أنفسهم أوصياء على أخلاق المجتمع، ويستخدمون الاتهامات الجنسية والوصم الاجتماعي لتشويه خصومهم، بينما تحيط بتاريخ مؤسساتهم اتهامات وانتهاكات بالغة الخطورة.
🟥 «الكيزان».. الاسم الذي ارتبط بأتباع الترابي
ولم يكن استخدام اسم «الكيزان» مجرد صدفة في تاريخ الحركة الإسلامية السودانية. فقد ارتبط الاسم بخطاب الترابي عن أتباعه، قبل أن تتشكل لاحقاً واجهاتها السياسية والتنظيمية، وصولاً إلى حزب المؤتمر الوطني الذي حكم السودان منذ انقلاب 1989.
لقد أتقنت هذه الحركة صناعة الواجهات وتغيير الأسماء والشعارات بحسب مقتضيات المرحلة؛ فتارة تتحدث باسم الإسلام، وتارة باسم الوطنية، وتارة باسم الدولة ومؤسساتها، بينما تظل السلطة والتنظيم والتمكين محركاً أساسياً لمشروعها السياسي.
والإسلام، الذي يتخذونه غطاءً لخطابهم، بريء من توظيف الدين لتبرير الاستبداد والتعذيب والقتل والتشهير بالناس.
🟥 من التضليل بالصور إلى الأسئلة الكبرى عن جرائم الحرب
وفي إطار توضيح خطورة التلاعب بالصور، أجرت «الجمهورية الجديدة» تعديلات توضيحية على صورة شخصية مشهورة، وعلى صورة الجنرال ياسر العطا، مع الإبقاء على زيه العسكري، لإظهار مدى سهولة إنتاج صور مضللة باستخدام أدوات محدودة من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
والرسالة هنا واضحة: الصورة وحدها ليست دليلاً، ولا يجوز تحويل صورة معدّلة إلى حقيقة سياسية أو إثنية أو عسكرية، ولا اتهام إنسان بالانتماء إلى قبيلة أو قوة عسكرية دون دليل.
لكن فضيحة الصورة ليست سوى مدخل إلى أسئلة أكبر تتعلق بمصداقية المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية التي تقف خلفها.
ففي ملف الأسلحة الكيميائية، أعلنت الولايات المتحدة في مايو 2025 أنها خلصت إلى استخدام الحكومة السودانية أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وفرضت عقوبات مرتبطة بذلك. كما نشرت تقارير صحفية لاحقة معلومات عن برنامج ومخزون للأسلحة الكيميائية واستخدام ذخائر محملة بالكلور. وهي اتهامات خطيرة تنفيها الحكومة السودانية، وتستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً ومحاسبة المسؤولين إذا ثبتت.
ثم جاءت الاعتداءات الجوية على مواقع التعدين الأهلي قرب الحدود السودانية المصرية لتطرح سؤالاً آخر عن معنى السيادة وحماية المواطنين.
فقد أُثيرت اتهامات بشأن ضربات جوية استهدفت معدّنين سودانيين داخل الأراضي السودانية، ونُسب تنفيذها إلى الطيران المصري، وسط تقارير عن سقوط قتلى، بينما ظلت هناك أسئلة عن موقف السلطة السودانية وإجراءاتها لحماية مواطنيها والتحقيق في تلك الاعتداءات.
هنا تتجلى المفارقة السياسية: سلطة ترفع شعار حماية السيادة الوطنية، لكنها تجد نفسها أمام تساؤلات عن مدى قدرتها واستعدادها لحماية مواطنيها عندما يتعلق الأمر باعتداءات منسوبة إلى دولة أخرى.
🟥 أي إسلام وأي وطنية؟
إن الوطنية لا تُقاس بعدد الشعارات العسكرية، ولا بعدد الخطب التي تتحدث عن الكرامة والسيادة، وإنما بقدرة السلطة على حماية الإنسان السوداني، وصيانة حقوقه، واحترام كرامته، ومحاسبة من ينتهكها، أياً كان موقعه أو رتبته أو انتماؤه السياسي.
والإسلام ليس بطاقة عضوية في تنظيم سياسي، ولا حصانة أخلاقية تمنحها جماعة لنفسها، ولا تصريحاً مفتوحاً لاستباحة دماء الناس وأعراضهم وحقوقهم.
إن الحركة التي تتخذ من الدين اسماً، ثم تستخدم مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن في القمع، وتجد نفسها محاطة باتهامات استخدام الأسلحة المحرمة، وتعجز عن تقديم إجابات مقنعة بشأن الاعتداءات على المواطنين وسيادة البلاد، لا تستطيع أن تحتكر لنفسها تعريف الإسلام أو الوطنية.
أما صورة بيلا كامبوس، فقد كشفت سهولة صناعة الكذبة؛ لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً هو: كم من الأكاذيب والجرائم والوقائع جرى تمريرها على السودانيين تحت راية الدين والوطن؟



