تعامل معه السودان بصبر وقدم شكاوى لمؤسسات دولية وإقليمية،، الاستفزاز الأثيوبي.. المعركة الدبلوماسية..

“70” هجوماً و”187″ مُسيّرة.. عدوان مع سبق الإصرار..
ضبط النفس لا يعني عدم حماية المواطنين وسيادة الوطن..حق الرد..
أمجد فريد يكشف مساعي جر السودان إلى مواجهة مباشرة..أجندات..

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
يتعامل السودان بحكمة بالغة وضبط نفس مع الاستفزازات الإثيوبية المستمرة، والتي تجاوزت المناوشات الحدودية إلى استهداف الأراضي السودانية والمنشآت الحيوية، بما فيها محطات الكهرباء والوقود، متجنّباً الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تخدم أجندة محاور إقليمية ودولية تسعى إلى توسيع دائرة الصراع واستنزاف قدراته، وكانت الخرطوم قد انتهجت مبدأ الاحتكام إلى القانون الدولي، بتقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي ضد الاعتداءات الأثيوبية، في خطوة تعكس إصرار السودان على الدفاع عن سيادته وحقوقه بالوسائل الدبلوماسية والقانونية، دون التفريط في حقه المشروع في حماية أراضيه ومواطنيه.
معركة بتوقيت الخصم:

وكشف دكتور أمجد فريد، مستشار رئيس مجلس السيادة، أن إثيوبيا تسعى إلى جر السودان لمواجهة مباشرة، مشيراً إلى أن الخرطوم تقدمت بشكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي بشأن هجمات الطائرات المسيّرة التي استهدفت الأراضي السودانية، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في التعامل مع اعتداءات تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي، ويُثني مراقبون على صبر السودان على استهداف منشآته الحيوية من قبل طائرات مسيرة تنطلق من الأراضي الأثيوبية، معتبرين أن نقل الهجمات إلى الأراضي الأثيوبية قد يكون جزءاً من مخطط يستهدف جرِّ السودان إلى جبهة قتالية جديدة، وشغله عن معركته التي يمضي فيها بثبات نحو تحرير مناطق غرب كردفان ودارفور التي تشهد استسلام مستمر للميليشيا وسط هزائم ساحقة ومتلاحقة تضرب قواتها في كل المحاور، فالاستراتيجية التي تتعامل بها قيادة الدولة تقوم على مبدأ عدم السماح للاستفزازات الخارجية بتحديد توجه السودان أو دفعه إلى مواجهة مفتوحة قبل استكمال تقدير أبعادها وكلفتها، وليس ذلك بغريب على الجيش السوداني الذي يمتلك من الخبرة والحصافة ما يؤهله لتقدير مخاطر الاستدراج، وأن احتفاظه برؤيته الاستراتيجية وخياراته للرد لا ينبغي تفسيره باعتباره عجزاً أو تهاوناً.

تحدّي:
والواقع أن الاعتداءات على محطات الكهرباء والوقود، تفرض تحدياً مباشراً يتعلّق بقدرة الدولة على حماية مواطنيها وضمان استمرار الخدمات الأساسية، باعتبار أن انقطاع الكهرباء لا يتوقف أثره عند إظلام المنازل، بل يمتد إلى المستشفيات ومحطات المياه والمرافق الإنتاجية، بينما يؤدي تعطل إمدادات الوقود إلى زيادة كلفة النقل والإنتاج، وتعميق معاناة الأسر وإرباك الأنشطة الاقتصادية، وبالتالي، فإن حماية المنشآت الحيوية تمثل خط الدفاع الأول عن الاستقرار الاجتماعي، وليست مجرد مهمة فنية أو أمنية، ويطالب مختصون بوضع خطط عملية لتأمين المحطات، وتوفير مستلزمات الصيانة وقطع الغيار، ورفع جاهزية فرق الطوارئ، وتحديد بدائل تضمن استمرار الخدمات الضرورية أو استعادتها سريعاً عند وقوع أي اعتداء، منوهين إلى أن إفشال أهداف الهجمات لا يتحقق فقط بمنع تدمير المنشآت، وإنما أيضاً بتقليل آثارها على حياة المواطنين، وعدم السماح بتحويل الخدمات الأساسية إلى وسيلة للضغط على الدولة والمجتمع.
التجربة الروسية:
ويتفاءل خبراء عسكريون بانفتاح السودان شرقاً نحو روسيا، مطالبين بضرورة الاستفادة من التجربة الروسية في حربها ضد أوكرانيا، حيث ركزت موسكو على حماية منشآت الطاقة مع تزايد التهديدات التي تمثلها الطائرات المسيّرة للمرافق الحيوية، حيث عمدت الخبرات الروسية على استخدام تقنيات متطورة لحماية منشآتها بإبعاد المسيّرات عن المعدات الحساسة وتقليل الأضرار الناجمة عن استهدافها، بيد أن ذلك لا يعني نقل التجربة بحذافيرها، بل إخضاعها لتقييم هندسي وأمني يحدد مدى ملاءمتها للبيئة السودانية وطبيعة المنشآت المستهدفة، باعتبار أن حماية محطات الكهرباء تحتاج إلى منظومة متعددة الطبقات، تجمع بين التحصينات المادية، والإنذار المبكر، والمراقبة، والوسائل المناسبة لمكافحة المسيّرات، إلى جانب خطط الطوارئ واستعادة التشغيل.
مسؤولية المجتمع الدولي:
ويمثل لجوء السودان إلى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، تطوراً مهماً في إدارة الأزمة، خاصة أن الخرطوم لم تكتفِ بتقديم شكوى سياسية، وإنما أرفقتها بتقرير حكومي أعدته وزارة الخارجية بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات العسكرية والعامة، تضمن أرقاماً ووقائع وأدلة تثبت انطلاق الهجمات المُسيّرة من الأراضي الأثيوبية، فقد رصد السودان 70 هجوماً خلال الفترة من 15 فبراير إلى 27 أكتوبر 2026م، شاركت فيها 187 طائرة مُسيّرة، وأطلقت خلالها 82 ذخيرة وصاروخاً، الأمر الذي أدى إلى سقوط 484 مدنياً بين قتيل وجريح، ولم تقتصر الأدلة على الإحصاءات، بل شملت تحديد مواقع لإطلاق وتشغيل المسيّرات، من بينها مطار أسوسا وقاعدة بحر دار الجوية، إلى جانب الاستناد إلى بيانات جغرافية وصور ومعلومات فنية وفحص حطام طائرات مُسيّرة أُسقطت داخل السودان، كما وثّقت الهجمات التي طالت محطات الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس ومرافق الوقود، وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تضع المجتمع الدولي أمام وقائع محددة ومطالب واضحة، وتؤكد أن السودان اختار الاحتكام إلى القانون الدولي، مستنداً إلى المادة الثانية، الفقرة الرابعة، من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
تماسك الجبهة الداخلية:
وإلى جانب الاستعدادات العسكرية والتحركات الدبلوماسية، تكمن أهمية تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة محاولات الاستنزاف، واستهداف المنشآت الحيوية وتأثيراته في الحياة اليومية للمواطنين، وزيادة الضغوط الاقتصادية والخدمية، وعدم إعطاء فرصة لتوظيف المعاناة في توسيع فجوة الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، ويشدد مختصون على ضرورة تعزيز الوعي العام، والابتعاد عن الشائعات والمعلومات غير الموثقة، وعدم تداول الصور والتفاصيل التي قد تكشف المواقع الحساسة أو إجراءات الاستجابة الأمنية، فيما تحتاج الدولة إلى تقديم معلومات دقيقة عن حجم الأضرار وجهود الإصلاح، وإطلاع المواطنين على التدابير المتخذة لتأمين الخدمات واستمرارها، باعتبار أن المواطن شريكٌ في تعزيز الصمود الوطني، من خلال الوعي والمسؤولية والتماسك المجتمعي.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن قوة السودان لا تكمن فقط في تجنب المواجهة مع أثيوبيا، أو في التسرع نحو در العدوان فقط، وإنما في امتلاك القدرة على تحديد متى وكيف وبأي أدوات يدافع عن مصالحه وسيادته، فمواصلة معالجة التهديدات الداخلية، وتحصين المنشآت الحيوية، وحماية المواطنين، وتفعيل الدبلوماسية، ورفع الجاهزية الدفاعية، مسارات متكاملة وليست بدائل متعارضة، ومع صبر السودان وضبط نفسه وعدم الانجرار وراء الاستفزازات الأثيوبية، تبقى أمام المجتمع الدولي مسؤولية منع التصعيد، والضغط باتجاه احترام سيادة السودان وعدم استخدام الأراضي الأثيوبية في تهديد أمنه واستقراره، ويمكن للقوى الدولية المؤثرة أن تضطلع بدور في احتواء التوتر وفتح قنوات التواصل، بدلاً من ترك المنطقة أمام احتمالات مواجهة يصعب التحكم في تداعياتها.



