
بقلم/ إيهاب الأمين
تظل خطوة وزارة التربية والتعليم السودانية قبل أعوام بمنع إشهار العصا في وجه التلميذ علامة فارقة في مسار إصلاح المنظومة التعليمية حيث رفعت الدولة يدها كلياً عن حماية أي معلم يختار ممارسة الترهيب الجسدي ضد الطلاب وتحت أي مبرر كان وهذا التوجه يمنح أولياء الأمور مشروعية قانونية كاملة للتوجه صوب مراكز الشرطة وتحريك بلاغات جنائية تتدرج صعوداً إلى النيابة ومن ثم إلى قاعات المحاكم لإنصاف أطفالهم. ويتأسس هذا المبدأ بشكل متين على المادة التاسعة والعشرين من قانون الطفل السوداني لعام 2010 والتي حظرت بشكل قاطع إيقاع عقوبات الضرب وأي عقوبات قاسية أو مهينة لكرامة الصغار داخل المؤسسات التربوية وعلى الرغم من هذه الحصانة التشريعية الشاملة لا تزال الساحة التعليمية في بلادنا تشهد تجاوزات مستمرة تشرعن جلد التلاميذ بدافع من رواسب فكرية مشوهة تنظر إلى العنف كوسيلة إصلاح ارتداداً إلى ما تجرعه هؤلاء المعلمون أنفسهم في طفولتهم من أذى واعتداء بدني.
إن اجتثاث هذه الظاهرة يتطلب بالضرورة إطلاق نهضة توعوية واسعة تعيد صياغة المفاهيم لدى كافة أطراف العملية التعليمية فالأستاذ مطالب باستيعاب فداحة التعدي على تلاميذه والتبعات القانونية المترتبة على ذلك بينما يقع على عاتق الآباء والأمهات واجب الذود عن كرامة أبنائهم وحمايتها من الانكسار والمهانة. إن الرضا بالذل داخل فصول الدراسة هو ذاته الذي أورث الأجيال السابقة خنوعاً واستسلاماً أمام بطش العسكر وصلفهم ودفعت ثمنه البلاد عقوداً من مصادرة الحقوق السياسية الأساسية وعلى رأسها حق اختيار الحكام ويجب أن ندرك جيداً أن العصر قد تبدل وأن الجيل الراهن يحتاج إلى بيئة مدرسية تعزز عزة النفس وتغرس الوعي بالحقوق بدلاً من إجباره على كراهية الفصول الدراسية ودفعه نحو التسرب المدرسي والضياع مثلما حدث مع أعداد لا تحصى من الطاقات في الأزمان الفائتة وعند التطلع إلى النظم التعليمية المعاصرة في المنطقة والعالم نجد بوناً شاسعاً في فلسفة التعامل مع الطلاب ففي المدارس السعودية والإماراتية تم استبدال أساليب الزجر بآليات متطورة للتقويم السلوكي الإيجابي تعتمد على الحوار ودرجات الملاحظة السلوكية وحرمان الطالب المؤقت من امتيازات محددة دون أدنى مساس بسلامته الجسدية أو النفسية. أما في المدارس الأوروبية فإن العنف البدني يندرج تحت طائلة الجرائم الجنائية الكبرى التي تستوجب سحب الرخص المهنية فوراً والملاحقة القضائية الصارمة حيث ترتكز العملية هناك على احتواء التلميذ وفهم دوافعه عبر الإرشاد النفسي وتوجيه طاقاته نحو أنشطة مجتمعية وبديلة تعيد صياغة سلوكه. إن الانضباط الحقيقي لا يصنع بالجلد والضرب والإساءة والتعنيف بل بتفعيل دور الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين والاعتماد على مبدأ العقوبات المنطقية والتعزيز الإيجابي وهي الوسائل التربوية السليمة التي ستكفل لنا بناء جيل سوداني معافى قوي الشكيمة ويملك من الثقة بالنفس ما يؤهله لقيادة بلاده نحو آفاق الحرية والتقدم والنهضة.



