الأعمدة

ثلاثون عامًا من الخراب .. والعلاج خارج السودان لا يمحو استحقاق العدالة

صفاء الزين
بعد ثلاثين عامًا من حكم السودان باسم «الإنقاذ» و«المشروع الحضاري»، يعود عمر البشير إلى المشهد من بوابة العلاج خارج البلاد، الرجل الذي وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري عام 1989م، وقدم نفسه وحركته باعتبارهما مشروعًا لإنقاذ السودان، ترك خلفه دولة أكثر انقسامًا، وأكثر حروبًا، وأكثر هشاشة.
ثلاثون عامًا كانت كافية لكشف حقيقة المشروع الإسلاموي في السودان، فقد تحولت الدولة إلى مجال للتمكين السياسي، وأُضعفت مؤسساتها لصالح التنظيم، وتوسعت الأجهزة الأمنية، وتحولت السلطة إلى بنية مغلقة ترفض الاختلاف، ومع عجز المشروع عن إدارة التنوع السوداني سياسيًا، اتجه إلى القوة.
جنوب السودان دفع الثمن الأكبر، حرب طويلة، وانتهاكات واسعة، وسياسات عمقت القطيعة بين المركز والجنوب، وانتهت بانفصال جنوب السودان عام 2011م، ثم جاءت دارفور لتكشف الوجه الأكثر دموية للنظام، فالقتل، والتشريد، والاغتصاب، وحرق القرى، دفعت المحكمة الجنائية الدولية إلى إصدار أوامر قبض بحق البشير على خلفية اتهامات بالإبادة الجماعية، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب، وامتدت الحرب في عهده إلى جبال النوبة والنيل الأزرق، لتصبح مناطق واسعة من السودان مسرحًا لصراع الدولة مع مواطنيها.
هذه هي حصيلة المشروع الذي تحدث عن بناء الدولة وحماية السودان، دولة فقدت جزءًا من أراضيها، ثم دخلت في حروب جديدة، وتركت ملايين المواطنين بين النزوح واللجوء.
ولهذا فإن محاولة تقديم البشير اليوم كرمز للاستقرار، أو كرجل دولة تعرض للظلم السياسي، هي إعادة كتابة للتاريخ، فالبشير مسؤول عن نظام حكم امتد ثلاثة عقود، وعن سياسات، وحروب، وانتهاكات ارتبطت بعهده، وكونه مريضًا لا يحول دون علاجه، ولا يسقط حق الضحايا في العدالة، ولا يلغي أوامر المحكمة الجنائية الدولية.
لكن المشكلة لا تتوقف عند البشير.
عبد الفتاح البرهان وسلطة بورتسودان يمثلان استمرارًا لأزمة الحكم العسكري التي أعادت إنتاج نفسها منذ سقوط البشير، فالمؤسسة العسكرية التي أسقطت النظام السابق لم تنقل السودان إلى دولة مدنية مستقرة، وانتهى المسار إلى انقلاب، ثم إلى حرب مدمرة أعادت الدولة إلى نقطة أكثر خطورة.
البرهان لا يستطيع أن يقدم نفسه باعتباره قطيعة مع الماضي وهو يقود سلطة عسكرية في بلد ما زالت بنية الدولة فيه أسيرة الصراع على السلطة والسلاح، وسلطة بورتسودان لا تستطيع أن تتحدث عن بناء الدولة وهي تتعامل مع السياسة بعقلية الحرب، وتقدم بقاء السلطة العسكرية باعتباره طريق الخلاص.
المفارقة أن السودان خرج من ثلاثين عامًا من حكم البشير ليجد نفسه أمام سلطة عسكرية جديدة تقوده إلى حرب أخرى، تغيرت الوجوه، وبقيت أزمة العلاقة بين السلاح، والسياسة، والدولة.
أما الحركة الإسلاموية التي تحاول استعادة حضورها عبر الحرب، فهي مطالبة بمواجهة حصيلة مشروعها نفسه، فلا يمكن فصلها عن ثلاثين عامًا من الحكم، ولا يمكن تقديمها باعتبارها قوة إنقاذ بعدما ارتبط مشروعها بتمكين التنظيم داخل الدولة، وتهميش قطاعات واسعة من المجتمع، وإدارة الصراعات بالقوة.
البشير يريد العلاج خارج السودان، فليحصل على العلاج وفق القانون، ثم يواجه المحكمة التي تطلبه، فالقضية هنا ليست حرمان مريض من حقه في العلاج، وإنما منع العلاج من التحول إلى طريق للهروب من العدالة.
أما السودان فلا يحتاج إلى عودة البشير، ولا إلى إعادة إنتاج «المشروع الحضاري»، ولا إلى استمرار حكم العسكر باسم الدولة.
السودان يحتاج إلى قطيعة سياسية حقيقية مع المنظومة التي أوصلته إلى هذا الخراب.
ثلاثون عامًا من حكم البشير انتهت بانفصال الجنوب، وحروب دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وانهيار الدولة، وحكم البرهان انتهى بالسودان إلى حرب جديدة، وبين الاثنين ضاع الوطن.
آن للسودان أن يتوقف عن تغيير الوجوه، ويبدأ بتغيير قواعد الحكم نفسها.
#الحركة_الإسلاموية_المؤتمر_الوطني_تنظيم_إرهابي

زر الذهاب إلى الأعلى