الأعمدة

في شمال كردفان، لم يعد السؤال من يحكم، بل من ينهب؟ ولم يعد المواطن يسأل أين الدولة، بل ممّن ينجو أولًا

عثمان فضل الله
في شمال كردفان، لم يعد السؤال من يحكم، بل من ينهب؟ ولم يعد المواطن يسأل أين الدولة، بل ممّن ينجو أولًا؟ من المليشيا التي عاثت في الأرض قتلًا ونهبًا وتشريدًا، أم من الذين يسمّون أنفسهم حماة المواطن والوطن، بينما يتخذون من اسمه جسرًا يتسوّلون به الشرعية من العالم؟
إلى من الملتجأ، وعلى من التكلان، حين يصبح الخوف قادمًا من كل الجهات؟ حين يتحول الزي الرسمي من رمز للحماية إلى مصدر للرعب، ويصبح السلاح الذي يفترض أن يصون الناس أداة تُوجَّه إلى صدورهم وأرزاقهم؟ ما جرى في شمال كردفان من نهب علني، واعتداءات موثقة، وسلب لممتلكات المدنيين، ليس حادثة معزولة، بل مرآة لواقع يتآكل فيه معنى الدولة يومًا بعد يوم.
حين تُهاجم أسرٌ رعوية عزلاء، وتُساق ماشيتها، وتُنتزع أموالها، وتُضرب نساؤها بالسياط، ويُعتقل رجالها تحت تهديد السلاح، فإن القضية لم تعد تجاوزًا فرديًا، بل سقوطًا أخلاقيًا ومؤسسيًا مدويًا. ما الفرق بين عصابة تقطع الطريق، وقوة ترتدي زي الدولة وتمارس الفعل نفسه؟ بل إن الثانية أشد خطرًا، لأنها ترتكب الجريمة باسم القانون.
الأكثر إيلامًا أن تقع الانتهاكات بالصوت والصورة، ثم تصمت النيابة، وتتراجع الشرطة، ويُترك الضحايا وحدهم في مواجهة الظلم. عندها يصبح الصمت شريكًا في الجريمة، ويصبح الإفلات من العقاب سياسة غير معلنة. أي عدالة هذه التي لا تتحرك إلا على الضعفاء؟ وأي مؤسسات هذه التي ترى الجريمة ثم تدير وجهها؟
منذ شهور طويلة، وأهالي شمال كردفان يعيشون بين نارين: نار المليشيا التي دمّرت البلاد، ونار من يدّعون استعادتها وهم يعيدون إنتاج القهر ذاته بوسائل أخرى. المواطن هناك لا يبحث عن انتصار سياسي، ولا عن بيانات عسكرية، بل يبحث عن ليلة ينام فيها آمنًا، وعن قطيع لا يُنهب، وامرأة لا تُهان، ورجل لا يُساق بلا جرم.
لقد صار السوداني يسأل كل صباح: ممن أنجو اليوم؟ من رصاص المليشيا، أم من بطش من يقول إنه جاء ليحميني؟ وإذا كانت المليشيا قد أسقطت هيبة الدولة، فإن من يطلب الشرعية بلا عدل يُسقط معناها بالكامل. فلا وطن يُبنى بالنهب، ولا جيش تُحترم رايته إذا داست كرامة الناس، ولا سلطة تستحق الاعتراف وهي عاجزة عن ردع من يظلم باسمها.
إن ما يحدث في شمال كردفان ليس شأنًا محليًا ولا حادثة هامشية، بل إنذار مدوٍّ بأن السودان يُدفع نحو هاوية أخطر من الحرب نفسها: هاوية انهيار الثقة بين المواطن ومؤسسات بلاده. وإذا فقد الناس إيمانهم بالجيش والشرطة والقضاء، فلن يبقى في الميدان سوى الفوضى والانتقام.
فإلى من الملتجأ، وعلى من التكلان؟ إلى الله أولًا، ثم إلى ضمير الأحرار، وإرادة شعب أنهكته الخيانات، لكنه ما زال قادرًا على التمييز بين من يخدم الوطن، ومن يتخذه غنيمة. أمّا الصمت الآن، فلم يعد حيادًا، بل مشاركة صريحة في الجريمة.

زر الذهاب إلى الأعلى