الأعمدة

مكر الخماسية ومخملية قوى الثورة : اما آن اوان الفراق ؟

كتب لواء معاش / د.عصام عباس :
لك الله يا وطني فقد اثخنتك الجراح وظلم ذوي القربى. ليس في جسدك العظيم الهزيل موضع شبر لم تطاله اثار هذه الحرب المدمرة، ما بين فقدان الأرواح، وهجر الديار قسرا، وخسارة المقتنيات، وانهيار الدولة. هذا الواقع المؤسف الذي يعيشه السودانيون يصطدم مع آليات دولية تتعامل مع قضيته المصيرية وكأنها مجرد ملف للتفاوض على حصص السلطة او تسويات جوفاء، وتصر ما تسمي بالخماسية على جعله تفاوضا غارقا في وحل صنع بعناية بايدي اجهزة المخابرات ومكر لجان الخماسية.
ولكن ان تأتي متاخرا خيرا من الا تأتي، فقد اطّلعت على بياني تحالف “صمود” وقوى “إعلان نيروبي” – سنامي قوى الثورة السودانية – الرافضين لدعوة الآلية الخماسية لعقد مشاورات بين القوى المدنية السودانية، وأجده موقفا مشرفا ومتفقا تماما مع تطلعات السواد الأعظم من السودانيين، بل ومع منطق العقل قبل أي شيء آخر.
إن مقاطعة هذه الاجتماعات تمثل استجابة موضوعية لواقع كشفت عنه أرقام لا تقبل الجدل. فقد أظهرت دراسة ميدانية شاملة أجراها “نداء سلام السودان” (SPC) أن ٩٣.٢% من السودانيين يؤيدون إنهاء الحرب عبر المفاوضات، مما يدحض أي ادعاءات بأن استمرار القتال يعبر عن إرادة الشعب. لكن المفارقة التي اظهرتها الدراسة أن هذه الرغبة الجامحة في السلام تقابلها ثقة معدومة في آليات تحقيقه، إذ لم تتجاوز نسبة من أعربوا عن ثقة عالية في اليات اتفاقيات السلام ١٤.٤% . هذا يعني أن أكثر من ٨٥% من السودانيين إما فقدوا الثقة تماما أو لديهم تحفظات كبيرة على مساعي السلام القائمة.
هذا التوجس الشعبي ليس وليد فراغ، بل هو نتاج تراكمات مريرة من اتفاقيات السلام السابقة التي أدارت الصراع دون معالجته، ووزعت المناصب دون أن توقف الدماء. واليوم، تسير الآلية الخماسية على النهج نفسه، فتفتح الباب أمام الحركة الإسلاموية وحلفائها الذين حكموا السودان لعقود بيد من حديد، وارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. إن إشراكهم في عملية سلام تقودها الخماسية لا يمكن وصفه بالخطأ المنهجي، بل هو تعهد ضمني للإفلات من العقاب، وهو ما يتعارض مع إرادة ٩٠% من السودانيين الذين طالبوا صراحة بالمساءلة وعدم الإفلات من العقاب. هؤلاء السودانيون يرون، بحكمة، أن السلام والعدالة يمكن أن يسيرا جنبا إلى جنب, فكيف يمكن الحديث عن سلام دائم دون محاسبة من تسببوا في هذا الدمار؟
إن ما فعله تحالف “صمود” وقوى “إعلان نيروبي” من مقاطعة هو ترجمة عملية لهذه الإرادة الشعبية، ورفض للمسار الذي ترسمه الآلية الخماسية والذي سينتهي حتما إلى مشروع تقاسم سلطة جديد، دون معالجة جذور الصراع، ومع ضمان عودة الحركة الإسلامية عبر واجهاتها.
لكن ما آخذه على هذين البيانيين، مع كامل احترامي لموقفهما المشرف، هو درجة التسامح المفرطة والوقوع في أسر اللغة الدبلوماسية الناعمة، في وقت كان الأولى والأجدر أن تصدر البيانات بلهجة أكثر حزما ووضوحا.
المأساة التي تحل ببلدنا وحجم الفظائع المرتكبة بواسطة طرفي الحرب وتحالفاتهما، تستوجب أن تتراجع اللغة الناعمة قليلا لتحل محلها لغة أكثر غلظة ووضوحا، دون أن نحيد عن قواعد وأسس الحوار الدبلوماسي. فبعض الكي بالنار أحيانا يكون علاجا. ما الذي يمنع أن تعلن البيانات بوضوح لا لبس فيه عدم نزاهة العملية التي تقودها الخماسية، وأن الثقة قد انهزمت بينها وبين أكثر القوى المدنية السودانية تأثيرا، وأنها تسعى، من خلال نهجها المعطوب هذا، إلى إعادة تمكين الحركة الإسلاموية في السودان، وإجهاض تطلعات شعب بأكمله في العدالة والسلام الحقيقي.
نعم، نحن نريد السلام، لكن ليس بأي ثمن. نريد سلاما يبدأ بوقف فوري لإطلاق النار، ويستكمل بمساءلة رادعة، ويؤسس لدولة مدنية تحترم حقوق الإنسان وتكسر شوكة الميليشيات والعسكر إلى الأبد. وأي سلام لا يحقق هذه المعايير هو مجرد هدنة مؤقتة ولن يقبل بها الشعب السوداني.

زر الذهاب إلى الأعلى