رأي امدر تايمز

سقوط الفاشر لحظة الحقيقة في حربٍ تُعيد رسم وجه السودان

بعد أكثر من خمسمئة يوم من الحصار، سقطت مدينة الفاشر بيد قوات الدعم السريع، في مشهدٍ يعيد رسم خريطة الحرب في دارفور، ويقلب موازين الصراع في السودان رأسًا على عقب.

لم يكن سقوط الفاشر حدثًا عسكريًا عابرًا، بل تحوّلًا سياسيًا وإنسانيًا مفصليًا، يعكس عمق الانهيار الذي يعيشه البلد منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع قبل نحو عامين.

المدينة التي صمدت طويلًا في وجه القصف والجوع والمجازر، انهارت أخيرًا تحت وطأة العزلة، في وقتٍ اكتفى فيه العالم ببيانات القلق والتحذير.

دارفور… الجرح الذي لم يندمل

منذ مطلع الحرب، شكّلت دارفور مركز المأساة السودانية، ومسرحًا لانتهاكات موثقة ضد المدنيين.

واليوم، تُعيد مأساة الفاشر إلى الأذهان ذكريات الإبادة الأولى التي ارتكبتها المليشيات نفسها قبل عقدين من الزمان.

تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية تتحدث عن جرائم مروّعة: عمليات قتل جماعي، واغتصاب، ونهب للمنازل والمرافق الطبية.

بينما تستمر قوات الدعم السريع في التوسع الميداني بدعم خارجي، على مرأى من عجز المجتمع الدولي وصمته.

دعوات لتصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية

في واشنطن، دعا السيناتور جيم ريش، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي، إلى تصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية أجنبية.

وهي خطوة، إن تمت، ستشكّل أول اعتراف رسمي بخطورة الدور الذي تلعبه المليشيا على استقرار السودان والمنطقة.

لكن السؤال الأهم: لماذا تأخرت هذه الخطوة كل هذا الوقت؟

ولماذا يُترك السودان فريسةً بين مليشيا ممولة خارجيًا وجيش يترنّح وسط انقسامات داخلية عميقة؟

قلق إقليمي وتخوّف من السيناريو الليبي

تراقب دول الجوار السوداني التطورات بقلق بالغ، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من تحوّل دارفور إلى معقل للتنظيمات المتطرفة أو ممر لتهريب السلاح عبر الحدود المفتوحة.

لكن الخطر الأكبر يتمثل في تكرار السيناريو الليبي، إذا انقسم السودان فعليًا بين سلطتين، واحدة في الخرطوم وأخرى في دارفور.

في تلك الحالة، لن يكون السودان مجرد بلد منكوب بالحرب، بل مسرحًا مفتوحًا للفوضى الإقليمية، تمتد نيرانها من تشاد إلى البحر الأحمر.

أين يقف المجتمع الدولي؟

المفارقة المؤلمة أن العالم الذي تحرك سريعًا لأزماتٍ أخرى، يبدو عاجزًا أو غير راغب في اتخاذ موقف حازم تجاه ما يحدث في السودان.

الأمم المتحدة منشغلة بخلافات التمويل، ومجلس الأمن غارق في التجاذبات السياسية، بينما يعيش ملايين المدنيين بين النزوح والجوع والموت البطيء.

لقد تحوّلت دارفور إلى مساحة منسية على خريطة العالم، رغم أن ما يجري فيها يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

السودان عند مفترق المصير

سقوط الفاشر ليس مجرد معركة خاسرة، بل جرس إنذارٍ لدولة تتفكك أمام أنظار الجميع.

فإذا لم يتحرك الداخل السوداني لتوحيد الصف، ويجد المجتمع الدولي إرادة لوقف هذه الحرب، فإن السودان سيتحول إلى ليبيا جديدة، وربما أسوأ.

المطلوب اليوم ليس فقط وقف النار، بل وقف التواطؤ بالصمت.

فما يحدث في الفاشر هو صورة مصغّرة لوطن يُترك لمصيره بين سلاح الجنجويد وتخاذل العالم.

إنها لحظة الحقيقة في حربٍ تُعيد رسم وجه السودان، وتختبر إنسانية العالم… فهل يسمع أحد صرخات دارفور قبل أن تُمحى من الوجود؟

  • السودان
  • دارفور
  • الفاشر
  • قوات الدعم السريع
  • الأزمة السودانية

زر الذهاب إلى الأعلى