منذ عودتي للوطن وقبلها بقليل كنت قد تنقلت في احياء العاصمة المثلثة للسكن في عدة احياء بدات بشمبات و مرورا بالفتيحاب إلى ان استقر بنا المقام في منطقة سوبا غرب ..
في ليالي تلك الاماكن واحيانا في نهاراتها كانت تتناهى إلى المسامع اصوات ما يسميهن الناس بالقونات في مختلف المناسبات و هن بالطبع ليس بالفنانات لان الفرق كبير بين الفنان الاصيل الموهوب وبين من جعل او جعلت من الصراخ والتهريج مهنة سهلة للتكسب .
الحقيقة في كل مواقع سكناي تلك كنت استمع بالصبر وقسوة الاحتمال وانا في فراش الارق إلى اصوات كثيرة لاولئك القونات ..وما كان يحيرني تطابقهن في كل شيء ..الاصوات و الصراخ و اجتراح الكلام حسب المقام بما يشبه تسول اهل المناسبة بالمديح والنفاق بغرض زيادة نثر النقطة ..ثم تلك الطريقة في الاداء باصوات اقرب الى النهرة الرجالية و اصطناع التطريب بالبحة التي تشبه السعال..والتي تقطع نفس عازف الاورغن وهو يشد حبال الته الصوتية لمجاراة هتاف القونة ولكن دون جدوى فيهرب إلى اصطناع نغمات فارقة في الانسجام مع اسفاف الكلام وفارغة عن اية جمل موسيقية يمكن ان تعانق المسامع لتريحها لا ان تخرقها بحدة التهويم الجارح.
ما لاحظته هو تشابه القونات في كل شيء وليس لاي منهن شخصية مستقلة عن بعضهن .
وكانما السودان قد اصبح معمل لإستنساخ ظاهرة هؤلاء القونات.
حكاية عجيبة وغريبة والله.



