


الحياة في كل المجتمعات يشمخ بناؤها على معطيات عدة تتكامل كحلقات تأخذ برقاب بعضها لتشكل لوحة ( بانوراماية ) يمكن للتاريخ أن يقرأها من مختلف الزوايا لاستخلاص ملاحم البذل التي يرسمها عظماء القوم في كل مجتمع وفي شتى الضروب ..وان هم ذهبوا ولكن يبقى عطاؤهم منحوتا في جدار الحياة خالدا تضي حروفه ورسومه في ليالي الزمان كله ولا تخبو حتى مع دوامة بزوغ شمس النهارات .
لذا فمن الواجب الا نكتفي باجترار ما يقوم به الاحياء أو الذي تركه لنا من ذهبوا من أهل العطاء فقط في استعراض تسجيلاتهم الصوتية أو المصورة أو في قراءة كتبهم أو منشوراتهم التي خلفوها في اضابير الارشيف المسموع أو المرئي أو المقروء دون أن نسلط عليهم اضواء التعريف بكل تفاصيل مراحل تكوين شخوصهم المؤثرة في كل الأجيال الحالية واللاحقة لاستنباط العبر في كيفية بناء ذاتهم التي تجلى إبداعها سواء عبر الاجتهاد الذاتي كعصاميبن بالفطرة السوية الذكية أو عبر ما بلغوه من العلم المكتسب فاستفادوا وافادوا وتركوا بصمتهم من بعدهم .
ياترى كم هي الافلام والمسلسلات التي تبارت و تنافست حتى الآن على قراءة حياة كوكب الشرق ام كلثوم ..على سبيل المثال لا الحصر .والتي قال فيها عصامي الادب والشعر و الفكر الاستاذ عباس محمود العقاد ..
ام كلثوم يا بشيرا ..
من الله في الرجاء ..
أنت من وحيه ..
ولله في الفن أنبياء ..
فهذه الصورة البلاغية التي تعبر عن اعتراف رجل عنيد عرف بالانفة والكبرياء والاعتداد بالنفس مثل العقاد بدور فن الغناء بهذا التقدير الروحاني و النفس الأيماني واثره في حياة الناس ممثلا في شخصية فنانة تخطى دورها أنها تصدح بصوت جميل أو تختار أسمى المعاني وتنثرها في رصانة الأداء حتى أصبحت و كما وصفها المجتمع المصري ..بأنها واحدة من اهرامات مصر الفرعونية التي لم تعد حجارة فحسب ولكنها باتت رمزا لحضارة كاملة متسلسلة وعنصر جذب لانظار الدنيا. ومصدرا للفوائد الاقتصادية والمنافع المعنوية .
فهل ينقص السودان من الرموز الذين لا زال يترى جهدهم أو من أصبح عطاؤهم جاريا من بعدهم كما بقى النيلان كشرايبن تغذي جسد الحياة ..ولا زال الكثيرون أمد الله في اعمارهم يحفرون باظافر الاجتهاد دون كلل أو ملل للإتيان بالمزيد المفيد .
فالكثيرون من زعمائنا من بناة الامس وصناع الاستقلال الذي لم نصنه من بعدهم يستحقون التخليد في أعمال فنية تصبح منارات في طرقات التاريخ .
تماما كما يستحق ذلك الرهط من الفنانين والأدباء و الكتاب و الرياضيون و العلماء و النقابيون و الحرائر وغيرهن وغيرهم كثر في مختلف المناحي الأخرى من أهل العطاء الثر وصناع و صانعات المجد و كل من ذهب وترك إرثا بستحق عليه أن يجد منا التخليد بلمسة مصورة بكاميرا الوفاء مثلما تفعل المجتمعات الأخرى التي تعز و تمجد رموزها ..أو كما عبر عنها العقاد ذاته ذلك الجريء مع أنه نفسه من جيل العظماء وهو الذي قال ايضا تعريفا بأهل القريض .
الشعر من نفس الرحمن مقتبس..
والشاعر الفذ بين الناس رحمن ..
نعم قد يكون الطرح في مثل هذه الظروف الضاغطة ترفا ليس هذا أوانه ..ولكن ما يجب عدم التسليم به أن الحروب هي نهاية الدنيا .. إلا أنها وان كانت قسوة نيراها حارقة للحاضر ولكن يمكن هزيمتها بحماية التاريخ الذي لا يموت و اطفاؤها بثاقب النظرة الحكيمة إلى المستقبل.. لا التكلس وقوفا خلف دخانها محبطين بالياس من عودة الحياة الاجمل وان تعثرت الخطى وانتكست المسيرة إلى حين .
وكل عام والجميع بكل الخير في وطن الغد المعافى من كل عله لنجد فيه فسحة و نخلد فيها من غنوا لجماله وكتبوا تغزلا فيه و استبسلوا لفدائه و أعطوه بلا من ولا أذى ولم يسالوه آخذا.. لا خوفا من سيف المعز ولاطمعا في ذهبه ..ثم ذهبوا وبقيت ذكراهم تمشي بيننا على سيقان الخلود أو هم بيننا احياء يرزقون ولا يبخلون بنفسهم المستوحى من نفس الرحمن وكأنهم بين الناس الأنبياء .



