أظن أن الكثرة من السودانيين يتفقون مع كاتب هذا المقال أن ما تلقته أجيال من السودانيين في المدارس منذ استقلال البلاد في 1956م عن تاريخ بلادهم الحديث لم يكن الغالب فيه سوى أكاذيب وتلفيق كتبته أقلام استخبارات المستعمر (الحكم الثنائي ، الإنجليزي المصري) ، والبعض ممن جاءوا بعدهم من أساتذة الجامعات وثلة من الصحافيين ، ذوي المعرفة المحدودة بسرد أحداث التاريخ. وما يتطلبه تدوين التاريخ من صبر ومهارة في تلقي المعلومة وتحليلها قبل الدفع بها للمتلقي. لقي.
يصادف اليوم الخميس 28 نوفمبرالذكرى المئة لاستشهاد البطل السوداني عبد الفضيل الماظ عيسى (1895-1924). تسعة وعشرون عاماً فقط تلك التي عاشها عبد الفضيل الماظ ، ليترك خلفه إرثاً من البطولة ليت من جاءوا بعده قد عرفوا معنى البطولة والتضحية ونكران الذات التي قدمها عبد الفضيل ورفاقه من أبطال ثورة 1924م..
وحين قلنا في تقدمة هذا المقال أنّ معظم ما تلقيناه في المدارس عن تاريخ السودان لعقود كان ضرباً من التلفيق والنقل دون تحفظ من قلم استخبارات المستعمر، عندما قلنا ذلك في أول هذا المقال لم يكن قصدنا ما يحسبه البعض فوبيا المستعمر التي علق البعض كل فشل لنا على شماعتها. ونبدأ بواقعة ليست بعيدة – ثورة 1924 وقائدها عبد الفضيل الماظ ، والتي عاصر جيل من السودانيين أحداثها – رحل جلهم قبل وقت قريب. من المخجل أنّ موقع معركة هامة مثل هذه في تاريخنا اختلف لفترة من الوقت في تدقيق موقعها والذي كان بارزاً كما الشمس في كبد السماء. فقد مضى حين من الدهر والناس ينسبون موقع مستشفى العيون بالخرطوم لمعركة الماظ ضد المستعمر. ذلك لأن ثلة من الصحفيين كتبوا ذلك دون تحقق. وقد سعدت كثيراً بما ورد من تصحيح بقلم الأستاذذ علي طه مهدي خليل العليقي – رئيس رابطة أبناء وأحفاد ثوار 1924م ، مصوباً بعض الأخطاء التي وقع فيها من أرخوا لهذه الصفحة المشرقة من تاريخنا الحديثث. يقول العليقي: (ففي ذلك اليوم الجمعة 28/11/1924م حصد (عبد الفضيل الماظ) من قوات المستعمر البريطاني أكثر من (700) فرد….بمدفعه المكسيم) – ((صحيفة السوداني يوم 0 8 – 06 -)2012 )).
باستشهاد البطل عبد الفضيل الماظ يوم 28 نوفمبر 1924 م وحتى اليوم ( 28نوفمبر 2025م) يكون دولاب الزمن قد أكمل دورته قرناً كاملاً (مئة عام) على مرور حادثة بطلها و ورفاقه الثوار لم تتجاوز أعمارهم الثلاثين. بل إن عبد الفضيل الماظ قضى وهو ابن التاسعة والعشرين. لا أكثر!! !
قوة دفاع السودان”وحراسة مصالح المستعمر :
بعد القضاء على الثورة المهدية وإعادة احتلال السودان على يد كتشنر عام 1898م، حسب المستعمر البريطاني أن قد استتب له الأمر تماماً. لكن وبقيام الإنتفاضة العسكرية ضد الجيش البريطاني في ي 27 نوفمبر 1924م بقيادة عبد الفضيل الماظ، تأكد للبريطانيين أن جذوة الثورة السودانية ضدهم كمحتلين لم يخمد أوارها بعد. لذا فإنّ المستعمر البريطاني لم ينتظر طويلاً بعد انتفاضة عبد الفضيل الماظ في نوفمبر 1924م، إذ قام بإنشاء ما عرف بقوة دفاع السودان S udanese Defence Force(SDF) في العام 1925 بقيادة ضباط بريطانيين.كان الهدف من وراء إنشاء هذه القوة العسكرية مساعدة الإدارة البريطانية للقضاء على الإضطرابات المدنية، والحفاظظ على حدود السودان ، تحت الإدارة البريطانيةة
. (مدثر عبد الرحيم – Imperialism& Nationalism in the Sudan ) .
جدير بالذكر أنّ ما أشار إليه المستعمر في (أهداف إنشاء قوة دفاع السودان) بالقضاء على الإضطراباتت هو ما يعني القضاء على الثورات والإنتفاضات. المؤسف أنّ لغة أنظمة الإستبداد التي توالت على حكم السودان ن لست وخمسين سنة (56) من جملة سنوات الإستقلال التي ستبلغ السبعين (70) بعد شهر من الآن ، هذه اللغة لم تسقط ذاكرة المستعمر الذي غادر وترك المؤسسة العسكرية (قوة دفاع السودان) بكامل عتادها و تنظيمها الإداريداري لمن خلفوه. بمقتل السير لي ستاك واندلاع إضطرابات في مصر ، أعيدت الوحدات العسكرية المصرية وضباط الكتائب السودانية إلى مصر. وشكلت حامية السودان على أساس جديد. تم دمج القوات السودانية المتبقية في قوة الدفاع السودانية المنشأة حديثًا. وافتتحت أكاديمية عسكرية في أم درمان لتدريب الضباط السودانيين الجدد، ومعظمهم من المسلمين من الشمال، حيث بلغ عدد قوات الدفاع الذاتي بحلول عام 1939 حوالي 5000 ضابط وعسكري..
هكذا -وباختصار- تم إنشاء قوة دفاع السودان – النواة التي سميت فيما بعد بالجيش السوداني/ قوات الشعب المسلحة ! وما لا جدال حوله أنّ المستعمر إنما أنشأ قوة دفاع السودان للأغراض التالية:
بمقتل السير لي ستاك واندلاع إضطرابات في مصر ، أعيدت الوحدات العسكرية المصرية وضباط الكتائب السودانية إلى مصر. وشكلت حامية السودان على أساس جديد. تم دمج القوات السودانية المتبقية في قوة الدفاع السودانية المنشأة حديثًا. وافتتحت أكاديمية عسكرية في أم درمان لتدريب الضباط السودانيين الجدد، ومعظمهم من المسلمين من الشمال، حيث بلغ عدد قوات الدفاع الذاتي بحلول عام 1939 حوالي 5000 ضابط و عسكري. [
1]هكذا -وباختصار- تم إنشاء قوة دفاع السودان – النواة التي سميت فيما بعد بالجيش السوداني/ قوات الشعب المسلحة ! وما لا جدال حوله أنّ المستعمر إنما أنشأ قوة دفاع السودان للأغراض التالية :
التصدي لما أسموه (الإضطرابات المدنية) – وهو ما نسميه بلغة اليوم الثورات/ الإنتفاضات الشعبية..
(الحفاظ على حدود السودان ، تحت الإدارة البريطانيةة) – أي حدود السودان كمستعمرة بريطانية وليس كوطن.
(بنهاية الحرب العالمية الثانية ، كانت قوات الدفاع السودانية (SDF) قد صارت قوة عسكرية من ذوي الخبرة. تضم حوالي 70 ضابطًا سودانيًا، جميعهم تقريبًا من الشماليين المسلمين. تم تعيين الضباط السودانيين تدريجاً ليحلوا محل الضباط البريطانيين في السنوات التي سبقت الاستقلال.) )
[2]ولعل هذا ما دفع أحد المصادر ليقول بأنّ السودان كان “الدولة الإفريقية الوحيدة جنوب الصحراء التي خرجت من فترة الاستعمار بمؤسسة عسكرية تمتلك سمات جيش وطني مستقل”.”.
[3]
قد يصح هذا الكلام من حيث المظهر الخارجي للمؤسسة العسكرية التي ورثها السودان عن المستعمر. لكن العبرة بجوهر الشيء ، لا بمظهره. إذ ما هو حصاد مؤسسة الجيش السوداني التي يتباهى منسوبوها وأتباعهم بأنّ عمرها بلغ المائة عام؟م؟
دعونا ندلف إلى قانون الجيش السوداني/ القوات المسلحة لنرى ما هي الأهداف والواجبات المنوط بها هذا الجيش؟؟
جاء في قانون القوات المسلحة السودانية (تعديل 1986م) تعريفها بالتالي: القوات المسلحة السودانية قوات عسكرية قومية التكوين والهدف. ولاؤها لله والوطن. وقد حدد قانون القوات المسلحة مهامها وأهدافها في المواد التالية:
(أ) حماية سيادة البلاد والدفاع عن النظام الدستوري والذود عنه.. (ب) تأمين سلامة البلاد والدفاع عنها فى مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية. . (ج)
تأمين احترام سيادة حكم القانون والحكم المدنى الديمقراطى وحقوق الانسانن.
(د ) التصدى لحالات الطوارى المحددة قانوناً.. (هـ) الدعوة للتدين والأخلاق والقيم الفاضلة وتقوية روح الوحدة والولاء والمواطنة بين أفرادهادها. ( !!!!!)
(يحار كاتب الورقة إن كان هذا البند لجيش مهمته حماية حدود البلاد والذود عنها أم أنه هدف لكتيبة دعوية دينية مهمتها الوعظ والإرشاد)!!!!!
(و) العمل علي تطوير امكانياتها العسكرية والبشرية والمادية والعلمية.
( ز) المشاركة في توطيد وحماية السلام والأمن الدوليين تنفيذاً للالتزاماتمات
الاخلاقية والمواثيق والمعاهدات الدولية والاقليمية.ية.
بإمكان أي مواطن سوداني وهو يطالع االبنود السبعة أعلاه في قانون الجيش السوداني أن يرى المفارقة بين ما هو مثبت في القانون وما أقدم عليه جيش السودان من أفعال مناقضة تماماً لهذه النقاط السبع منذ أن أشعل الجيش أول حرب أهلية لإخماد تمرد كتيبة توريت في العام م 1955م حتى وقتنا الحالي. فالجيش السوداني ظل عاجزاً عن حماية حدود البلاد. ولعل المفارقة الكبرى ما ورد في الأهداف – الفقرة (ج) : : تأمين احترام سيادة حكم القانون والحكم المدنى الديمقراطى وحقوق الانسانن !!! وهو ما ظل جيش السودان يعمل عكسه تماماً بسباق ضباطه المحموم لكرسي السلطة في انقلابات ضربت الرقم القياسي بين جيوش القارة ، بل والعالم بأسره..
لم تلتزم مؤسسة الجيش السوداني طوال عمر إستقلال هذه البلاد – وهو قرابة السبعة عقود – بواحدة من الفقرات السبع أعلاه، والتي يمكن تلخيصها في: ي:
حماية وتأمين سيادة البلاد الداخلية والخارجيةة /
تأمين احترام سيادة حكم القانون والحكم المدنى الديمقراطى وحقوق الانسان.
ولعلّ الكذبةَ الكبرى هي ادعاء قادة هذه المؤسسة طوال تاريخها أن من صلب أهدافها (تأمين احترام سيادة حكم القانون والحكم المدنى الديمقراطى وحقوق الانسان) ، ذلك أن الجيش السوداني هو أكثر الجيوش في أفريقيا وربما في العالم إطاحة بالأنظمة الديموقراطية. وهو أيضاً صاحب الرقم القياسي في أفريقيا من حيث عدد الإنقلابات العسكرية – ما نجح منها وما أحبط. وهو الجيش الوحيد الذي لم يخض حرباً واحدة ضد عدو أجنبي ، بل كانت حروبه كلها ضد مواطنيه!!يه!!



