المنوعات

جدو جبارة يوسف.. شاب سوداني يودّع الحياة مبتسمًا في قلب الصحراء

عبدو فايد/ كاتب مصري
شاب سوداني في منتصف العشرينات على أقصى تقدير..
خرج من السودان تهريبًا.. لأي بلد؟ لا أحد يعرف.. يمكن ليبيا، ويمكن مصر.. الشيء الوحيد اللي نعرفه عنه.. إنه تاه في الصحراء.. قعد أيام في عز الجوع والعطش، وحيدًا.. لا أهل ولا أصدقاء..
فتح كاميرا الموبايل.. وأرسل فيديو أخير لأحد أصحابه.. تسمع صوته في الفيديو، وتشعر برضا مهول:
«زي ما قلت ليك، هي الدنيا كده، والرحيل علينا حق، إنت كنت زول قدوة، وتحياتي لكل الأهل والأصدقاء»..
انقطع الفيديو.. وانتهى كل شيء..
وأصبح الشاب جدو جبارة يوسف في ذمة الله.. وترك لنا هذه الصورة الأخيرة.. صورة شاب يعزي الناس في رحيله.. ومبتسم وكأنه رأى في الآخرة شيئًا أفضل مليون مرة من دنيا لم تكن رحيمة به..
لما تنتهي الحرب في السودان.. هنكتشف إن المأساة كانت أكثر ترويعًا مما نعرفه..
إحنا نعرف إيه فعلًا؟
نعرف أرقام كلية.. أكبر أزمة نزوح في تاريخ العرب.. 13 مليون نازح.. أكبر نسبة تسرب من التعليم على الإطلاق.. 8 مليون طفل.. 33.7 مليون إنسان يحتاجون لمساعدة إنسانية عاجلة للبقاء على قيد الحياة.. 140 ألف ضحية..
لما نسمع الأرقام.. بنحس الموضوع عادي يعني.. ملايين.. عشرات الملايين.. وإيه يعني؟
بس الضحايا ناس..
كل واحد ربنا خلقه بروح وكرامة.. وكل شخص له ماضٍ وذكرى وحياة.. والناس اتعودت تشوف السوداني رقمًا محكيًا على شاشة.. لكن قليل جدًا لما تشوفه كبني آدم، له قصة.. وألم.. ووداع..
جدو جبارة ساب الدنيا وعلى وشه ابتسامة.. لكن غيره مئات وألوف مسمعناش صوتهم.. وهما بيحاولوا يهربوا من جهنم ابتلعت البشر والحجر..
مسمعناش صوت 11 شابًا وفتاة في صحراء الكفرة في ليبيا رحلوا من الجوع والعطش.. لقوهم بالكاد في سيارة مكتوية من الشمس، واتشد عليهم شوية رمل ومشوا من غير سلام..
مسمعناش عن غيرهم ألوف ينتهوا في معسكرات احتجاز في قلب الصحرا.. والجنرال خليفة حفتر يروح يبيعهم لعصابات الجنجويد في معسكر 19، عشان يرجعوا ويضربوا أهاليهم بالنار..
مسمعناش..
صوت السوداني مبحوح.. وكأن العرب أجمعين اتفقوا على أنه لا يرتقي بما فيه الكفاية للحديث عنه..
هو رقم.. مجرد رقم.. أو لاجئ.. وشوية عبء..
أحمل في قلبي بغضًا بحجم السماء والأرض.. لكل من أوصل السودانيين لتلك النقطة.. لكل دولة استثمرت مليارات الدولارات لتهجير ناس من بلادها، حتى يبدو العطش في الصحاري أهون عليهم ألف مرة من انتظار قذيفة أو معاناة الفقر..
للإماراتي والإثيوبي والنيجري والتشادي والأوغندي..
بلد خرج للدنيا دكاترة ومهندسين ومدرسين.. خرج الطيب صالح والمكي إبراهيم.. ينتهي الحال بعياله مش لاقيين شوية مياه في قلب القيظ؟
نشوف أحد أبنائه ينازع في الرمق الأخير، وقد تشقق بلعومه وانفطر قلبه؟
لماذا؟
وإن لم يكن هذا يستدعي أن أعادي في الله من عاداهم.. فما الذي يجعلني إذن آدمي؟
السودان قصة مهجورة..
وكل ما نفكر إن الدنيا هتكمل عادي، وإننا نقدر ننساهم.. يجي اللي يضحك في وشك لحظة خروج الروح من الجسد ويفكّرك إنهم بشر..
ومينفعش أبدًا يكونوا مجرد رقم..
وأشهد يا رب أنهم إخوتي.. أنهم أبناء ديني وعروبتي..
وأشهدك أن بيني وبين زايد وعياله من العداء ما لن ينتهي..
رحمة الله على جدو جبارة.. وعلى كل من فنى في الصحراء ولم نعرف له اسمًا.. ولم نقم له مأتمًا!

زر الذهاب إلى الأعلى