
في الجزء الثاني من هذا التقرير الذي يكشف تورط النظام الإيراني في دعم الجيش السوداني وتأجيج حرب 15 أبريل بدعم أحد أطراف النزاع مقابل استفادة طهران وحصولها على امتيازات داخل الأراضي السودانية، إذ ثبت ذلك بتوفير سلطة بورتسودان منصات لتجميع الصواريخ داخل قاعدة “فلمنغو” العسكرية، واستخدام خزانات وقود مخصصة للاستخدام المدني تم توظيفها لصالح مليشيا الحوثي المدعومة من إيران، وهو ما تم توضيحه في الجزء الأول.
وحول الجسر الجوي المرتبط باستخدام طائرة النقل العسكرية الإيرانية، إذ وُثقت سبع رحلات جوية مؤكدة للطائرة التي تحمل اسم EP-FAB “747–200” بين إيران والسودان خلال الفترة بين ديسمبر 2023 ويوليو 2024، مع رحلتين إضافيتين شبه مؤكدتين.
التحليل العسكري للجسر الجوي
من الناحية العسكرية، يتضح أن هذا الجسر منح الجيش السوداني قوة نارية دقيقة، مع قدرات استطلاع ومهاجمة عالية، خاصة في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان.
استخدام طائرات مسيّرة متعددة الأنواع أعطى الجيش القدرة على قصف الأهداف مع تقليل المخاطر المباشرة على الطيارين، لكنه زاد من المخاطر على المدنيين بسبب عدم دقة الاستهداف الكامل في الأعيان المدنية.
التقديرات المادية لهذا الجسر
تُقدر التكلفة المالية لهذه العمليات الجوية، وفقاً لمواقع مختصة في هذا الشأن، على النحو التالي:
تكلفة كل رحلة للطائرة EP-FAB “747–200” محملة بمعدات ثقيلة كالتالي: تقريباً من 2–3 ملايين دولار أمريكي، بما يشمل الوقود، والرسوم الجوية، وصيانة الطائرة، وأجور الطاقم. وبناءً على تحليل معلومات سبع رحلات تم توثيقها للطائرة EP-FAB، مع رحلتين أخريين من مطار مهرآباد ومطار بندر عباس مروراً بخليج عدن حتى مطار بورتسودان، تُقدر بين 18–24 مليون دولار أمريكي خلال ثمانية أشهر فقط.
لا تشمل تلك التكلفة الطائرات المسيّرة، والصواريخ، وأجهزة التحكم الأرضية، والتي تتفاوت تكلفتها بين 5–7 ملايين دولار أمريكي على الأقل.
هذه الأرقام تُظهر حجم الاستثمار الإيراني المباشر في النزاع السوداني ومدى الإصرار على الحفاظ على التدخل العسكري الدقيق والمستمر في الأراضي السودانية.
من هي الجهة داخل إيران القادرة على تنفيذ هذه العمليات؟
تنفيذ جسر جوي عسكري معقد بهذا المستوى من السرية والاستمرارية لا يمكن أن يكون نتاج قرار تجاري أو مبادرة معزولة، بل يأتي حصراً ضمن مهام وقرارات الحرس الثوري الإيراني، وتحديداً أذرعه المختصة بالعمليات الخارجية واللوجستية.
فالحرس الثوري هو الجهة الوحيدة داخل إيران التي تمتلك السلطة السياسية، والبنية الاستخباراتية، والقدرة الجوية، والتحكم في شبكات النقل الخاضعة للعقوبات، التي تسمح بتسيير طائرات شحن استراتيجية، وإخفاء مساراتها، وتعطيل أنظمة التتبع، وربط ذلك بعمليات ميدانية خارج الحدود.
شركة قشم فارس إير، المشغّلة للطائرة EP-FAB، ليست سوى واجهة لوجستية تعمل تاريخياً تحت إشراف مباشر من شبكات الحرس الثوري الإيراني، واستُخدمت سابقاً في نقل أسلحة ومقاتلين إلى ساحات نزاع مثل سوريا، ما أدى إلى إدراجها ضمن قوائم العقوبات الأمريكية.
هذا النمط المتكرر يؤكد أن الشركة لا تتحرك وفق منطق الطيران المدني، بل ضمن منظومة عسكرية متكاملة تُدار من طهران وتخدم أهداف السياسة الخارجية الإيرانية.
كما أن اختيار مطارات مثل مهرآباد وبندر عباس ليس تفصيلاً عابراً؛ فهذه مطارات مزدوجة الاستخدام، تخضع أجزاء منها لسيطرة عسكرية مباشرة، وتُستخدم تقليدياً في برامج الطائرات المسيّرة والصناعات الدفاعية.
إخفاء السجلات الجوية وتعطيل أجهزة البث “ADS-B”
تعطيل وإغلاق أجهزة الرادار في نظم الملاحة الجوية قبل الهبوط، والتوجه بعد العودة إلى الأقسام العسكرية داخل المطارات، هي تكتيكات لا تُستخدم إلا في العمليات العسكرية والاستخباراتية، ولا تمتلك أي جهة مدنية الصلاحية أو الجرأة لتنفيذها. وهو التكتيك الذي كانت تستخدمه الطائرة خلال نقلها للشحنات العسكرية عند الاقتراب من مطار بورتسودان، ويتم تشغيله عقب ذلك وفق تكتيكات محددة.
بناءً على ذلك، تشير مجمل الأدلة الفنية والزمنية واللوجستية إلى أن الجهة القادرة على تنفيذ هذا الجسر الجوي هي الحرس الثوري الإيراني.
النتائج السلبية: ثمن الشعب السوداني
تسبب هذا التحالف بين طهران والتنظيم الإسلامي في عسكرة غير مسبوقة للأحياء المدنية، حيث تحولت المدن المكتظة بالسكان إلى ساحات اختبار لتقنيات القتل الحديثة. استخدام الطائرات المسيّرة في مناطق مثل بحري وأم درمان أدى إلى دمار واسع في المنازل والبنية التحتية الحيوية، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين تحت مسمى زائف هو “الضربات الدقيقة”.
هذه الممارسات كشفت الفجوة الخطيرة بين الخطاب العسكري الرسمي والواقع الميداني، إذ لم تكن الدقة المزعومة سوى غطاء لاستخدام سلاح جوي في بيئة حضرية لا تحتمل هذا النوع من العمليات.
ولم تكتفِ هذه العمليات بتعميق الأزمة الإنسانية القائمة، بل أسهمت في تحويل المدنيين إلى رهائن داخل صراع داخلي تُدار أدواته من الخارج.
على الصعيد السياسي، شكّل الحصول على السلاح الإيراني عامل تعطيل مباشر لأي مسار سلام جاد. فقد رفض الجيش السوداني العديد من المبادرات الدولية لإنهاء حرب 15 أبريل، مدفوعاً بقناعة خاطئة بأن الطائرات المسيّرة ستمنحه الحسم العسكري وتغنيه عن التسوية السياسية. هذا الرهان العسكري أطال أمد الحرب، ورفع كلفتها البشرية والاقتصادية، وأغلق نوافذ كانت ما تزال متاحة لتخفيف معاناة المدنيين.
وفي موازاة ذلك، سعت إيران إلى استغلال حالة الاعتماد العسكري هذه لمقايضة السلاح بمكاسب استراتيجية بعيدة المدى، من بينها إنشاء قاعدة بحرية أو الحصول على حاملة مروحيات في بورتسودان. مثل هذه الخطوة لا تضع السودان في مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية ودولية فحسب، بل تحوّل ساحله إلى بؤرة صراع استراتيجي مفتوح، وتجرده فعلياً من حياده وسيادته على أحد أهم ممراته الجغرافية.
أما داخلياً، فقد ارتبط الدعم الإيراني بشروط سياسية واضحة، في مقدمتها تمكين عناصر “الحركة الإسلامية” داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.
هذا التمكين يضمن استمرار نفوذ هذه القوى على مفاصل الدولة، ويعيد إنتاج النظام القديم بثوب عسكري جديد، ويقيد أحلام ثوار ديسمبر المجيدة في بناء دولة مدنية ديمقراطية مستقلة.
انعكاس سقوط النظام الإيراني على الحرب في السودان
ضعف أو سقوط النظام الإيراني سيؤدي مباشرة إلى توقف الإمداد العسكري للجيش السوداني، لتصبح الطائرات المسيّرة الإيرانية، التي يعتمد عليها بشكل متزايد، بلا قيمة تشغيلية في غضون أسابيع قليلة.
هذا التأثير لا يقتصر على انقطاع السلاح فحسب، بل يمتد ليضرب جوهر القدرة القتالية التي بُنيت خلال الشهور الماضية على افتراض استمرار الدعم الإيراني.
على المدى القصير
تكتيكياً، سيفقد الجيش السوداني عنصر التفوق الجوي غير المأهول الذي وفرته المسيّرات الإيرانية، سواء في الاستطلاع أو الاستهداف. غياب قطع الغيار والبرمجيات والتحديثات الفنية سيؤدي إلى تعطل سريع للطائرات العاملة، فيما سيغادر أو يُشل دور الخبراء والمشغلين المرتبطين بمنظومة الدعم الإيراني. النتيجة المباشرة ستكون تراجع القدرة على الرصد المسبق، وارتفاع الخسائر البشرية في صفوف القوات البرية، واضطرار القيادة إلى العودة لاستخدام وسائل تقليدية أقل فاعلية وأكثر كلفة بشرية.
على المدى المتوسط
استراتيجياً، سيظهر مأزق أعمق: الجيش السوداني لن يجد بديلاً قادراً على تعويض القدرات النوعية للمسيّرات الإيرانية بالسرعة المطلوبة.
الحصول على منظومات بديلة يتطلب قرارات سياسية دولية، وتمويلاً ضخماً، وبنية تدريبية غير متوفرة في ظل العزلة الدولية والعقوبات.
هذا الفراغ سيؤدي إلى اختلال ميزان القوة، وتراجع قدرة الجيش على فرض السيطرة الميدانية، ما يضعف موقفه التفاوضي ويكشف هشاشة الرهان على الحسم العسكري.
على المدى الطويل
سقوط المظلة الإيرانية سيترك أثراً بنيوياً عميقاً؛ فالجيش الذي أعاد تشكيل عقيدته القتالية حول الطائرات المسيّرة والحرب غير المتكافئة سيجد نفسه أمام فراغ استراتيجي، وفقدان ثقة داخلي وخارجي.
سياسياً، سيضعف جناح “الحركة الإسلامية” داخل الجيش، بعد فقدانه الحليف الخارجي الذي وفر له السلاح والغطاء الأيديولوجي، ما يقلص قدرته على فرض أجندته بالقوة.
هذا الضعف البنيوي سيفتح الباب أمام ضغوط دولية وإقليمية أكثر صرامة، تدفع الجيش للقبول بتسوية سياسية حقيقية، بدلاً من الاستمرار في حرب استنزاف خاسرة.
في المحصلة، فإن توقف الدعم الإيراني لن يكون مجرد خسارة تكتيكية مؤقتة، بل انكساراً استراتيجياً لرهان عسكري كامل بُني على تحالف خارجي هش.
ومع انكشاف هذا الرهان، يصبح خيار العودة إلى طاولة المفاوضات والانخراط في مسار مدني ديمقراطي ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة عسكرية وسياسية لإنقاذ ما تبقى من الدولة السودانية.
الموت الطائر فوق سماء السودان
صور الأقمار الصناعية التي توثق هبوط طائرات الحرس الثوري في بورتسودان لا تترك مجالاً للالتباس: هذه الطائرات لا تحمل القمح ولا الدواء، بل تحمل الموت الطائر. دعم إيران لم يحوّل ميزان الحرب لصالح دولة، بل حوّل السودان إلى حقل تجارب للمسيّرات الانتحارية، وبشراكة مع تحالفٍ يخضع للعقوبات الدولية ويستقوي بالسلاح على شعبه.
إن السياسات الإيرانية والتحالف مع “الحركة الإسلامية” داخل الجيش السوداني ليست خطأً تكتيكياً عابراً، بل خطوة موت أحرقت الخرطوم وهددت وحدة البلاد، وحوّلت الأمن القومي إلى ورقة مساومة بين قوى خارجية، فيما تُسحق كرامة الناس تحت الأنقاض. هذه ليست حرباً من أجل السودان، بل حربٌ على البلاد.
المصادر:
1. مرصد النزاع – Observatory – “الدعم الإيراني للجيش السوداني”، أكتوبر ٢٠٢٤ – بيانات تتبع الرحلات – ADS-B – صور الأقمار الاصطناعية، تحليل الجسر الجوي.
2. تقرير تحليلي عن العلاقات الإيرانية-السودانية في التسعينيات، مصادر مفتوحة، ٢٠٢٤.
3. إيران إنترناشيونال، تقرير مجتبى بورمحسن، ٤ أبريل ٢٠٢٥. تاريخ القطيعة وإعادة العلاقات.
4. رويترز، تتبع رحلات الطائرات الإيرانية إلى السودان، يناير ٢٠٢٤.
5. “حرب الظل التي تشنها طهران: كيف تغذي إيران الصراع في السودان”، ٢٨ يوليو ٢٠٢٥.
6. بلومبرغ، تقرير عن شركة قشم فارس إير وطائرات EP-FAB ديسمبر ٢٠٢٣ – يوليو ٢٠٢٤.



