رأي امدر تايمز

بين الردع النووي ومغامرات الإقليم.. دروس قاسية في ميزان القوة

في عالم يتغير بسرعة تحت وقع الحروب والصراعات المفتوحة، لم تعد معادلات القوة تُقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الاقتصاد، بل بامتلاك أدوات الردع الحاسمة. وبينما تتصاعد التهديدات العسكرية الأمريكية ضد إيران، يراقب زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون المشهد من خلف مظلة نووية متكاملة، فرضت واقعاً استراتيجياً مختلفاً على واشنطن والعالم.

المقارنة هنا ليست دعوة لسباق تسلح، بل قراءة باردة لميزان القوة. فبيونغ يانغ، التي مضت بعيداً في تطوير ترسانتها النووية، نجحت في تثبيت معادلة ردع تجعل أي خيار عسكري ضدها محفوفاً بكلفة هائلة. في المقابل، لا تزال إيران تتحرك في مساحة رمادية، بين ضغوط العقوبات والتهديدات العسكرية، دون أن تمتلك ورقة ردع مكتملة.

التجربة الكورية الشمالية تكشف أن امتلاك أدوات القوة الصلبة – مهما كان الثمن – يغير سلوك الخصوم ويعيد صياغة قواعد التفاوض. لكن هذه الحقيقة لا تعني أن الطريق النووي هو الخيار الأمثل أو المشروع، بل تؤكد أن الفراغ الاستراتيجي أخطر من المواجهة نفسها.

بالنسبة لدول الخليج، التي تقع في قلب هذا الإعصار الجيوسياسي، فإن الدرس الأهم ليس في تقليد النماذج، بل في تعزيز منظومات الردع الجماعي، وبناء شراكات متوازنة، وتحصين الجبهة الداخلية اقتصادياً وأمنياً. فالتوازن الإقليمي لا يُبنى على الاندفاع، بل على حسابات دقيقة للمصالح والمخاطر.

كما أن التحولات الدولية – من تقارب روسيا والصين مع خصوم واشنطن، إلى إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية – تفرض على العواصم الخليجية قراءة المشهد بعيون مفتوحة، بعيداً عن الاصطفافات الحادة.

إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتحول أزماته إلى ساحات تصفية حسابات بين القوى الكبرى، أو أن يُعاد إنتاج توازن جديد يقوم على الردع المسؤول والحوار الواقعي. وبين هذين الخيارين، تبقى الحكمة السياسية، لا ضجيج الصواريخ، هي الضمانة الحقيقية للاستقرار.

في زمن تتكاثر فيه الأزمات، لا يكفي أن نراقب من بعيد. المطلوب رؤية خليجية موحدة تدرك أن الأمن لا يُستورد كاملاً، ولا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى عبر توازن مدروس بين الردع والدبلوماسية، وبين المصالح الوطنية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي

زر الذهاب إلى الأعلى