
اليوم، أسدلت إحدى المحاكم بمدينة بورتسودان الستار على محاكمة عدد من قادة قوات الدعم السريع، بإصدار أحكام بالإعدام شنقًا حتى الموت، على رأسهم محمد حمدان دقلو، ونائبه وشقيقه عبد الرحيم، إلى جانب آخرين، مع مصادرة ممتلكات قوات الدعم السريع، ومخاطبة الشرطة الجنائية الدولية للقبض على المدانين تمهيدًا لتنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم.
ولسنا هنا بصدد مناقشة الأسانيد القانونية التي استندت إليها المحكمة، ولا الطعن في هيئة القضاء التي أدت واجبها وفق الاختصاصات الممنوحة لها، وإنما نقف عند ما يمكن أن تؤول إليه هذه الأحكام في ظل التجربة السياسية السودانية.
فالتاريخ القريب يخبرنا بأن أحكامًا مماثلة صدرت في عهود سابقة بحق شخصيات معارضة، ثم تبدلت الأحوال السياسية، فعادت تلك الشخصيات إلى البلاد، وتولت مناصب دستورية وتنفيذية رفيعة بعد اتفاقات سلام أو مصالحات سياسية. فقد شهد عهد الرئيس جعفر نميري أحكامًا بحق الإمام الراحل الصادق المهدي وعدد من المدنيين والعسكريين، كما شهد عهد الرئيس عمر البشير أحكامًا بحق مالك عقار وياسر عرمان وآخرين، قبل أن تعيدهم التسويات السياسية إلى المشهد الرسمي.
ومن زاوية أخرى، فإن محمد حمدان دقلو ظل، في نظر كثيرين من أنصار الحرب، شخصًا قيل إنه قُتل، وهي رواية جرى الترويج لها إعلاميًا، دون أن تصدر جهة رسمية تؤكدها أو تنفيها بصورة قاطعة. لذلك يبدو المشهد وكأنه يجمع بين رواية وفاة الرجل وبين إصدار حكم بالإعدام عليه، وهو ما يثير تساؤلات إضافية.
وإذا كانت المؤشرات الحالية تتحدث عن مبادرات لوقف الحرب أو هدنة قد تفتح الباب أمام مفاوضات سياسية، فما مصير هذه الأحكام إذا انتهت تلك المفاوضات إلى اتفاق شامل؟
ويزداد هذا التساؤل إلحاحًا إذا علمنا أن بعض القادة الذين كانوا يقاتلون ضمن صفوف الدعم السريع، ثم عادوا إلى ما سمي بـ”حضن الوطن”، مثل النور القبة والسافنا، كانوا ضمن قوائم المتهمين في قضايا مماثلة، قبل أن يختفي الحديث عن تلك الاتهامات. فمن هي الجهة التي أسقطتها؟ وهل صدر قرار قضائي معلن بذلك؟ أم أن الأمر استند إلى عفو أصدره القائد العام للقوات المسلحة بصفته العسكرية والسياسية؟
إنها أسئلة تفرض نفسها وسط واقع شديد التعقيد، يجعل مثل هذه الأحكام تبدو، في نظر كثيرين، أقرب إلى رسائل سياسية أو إجراءات مرتبطة بظرف معين، قد تتغير آثارها إذا فرضت التسويات السياسية نفسها، كما حدث في محطات عديدة من تاريخ السودان.
ويبقى السؤال الجوهري: هل هذه الدعاوى حق عام أقامته الدولة، وبالتالي يجوز لها قانونًا إسقاطها أو العفو عنها متى ما اقتضت المصلحة العامة ذلك؟ أم أنها تتضمن حقوقًا خاصة للمتضررين وذوي الضحايا، وهي حقوق لا يملك أحد إسقاطها إلا أصحابها، وفقًا للقانون؟
ذلك سؤال يستحق إجابة واضحة، لأن العدالة لا ينبغي أن تكون رهينة تقلبات السياسة، كما أن السلام الحقيقي لا يكتمل إلا إذا قام على أسس قانونية عادلة تحفظ حقوق الجميع.
والله من وراء القصد.



