
#روما، ✍️ رضوان علي الحسن 🇮🇹
في تاريخ كرة القدم الحديثة، قلة هم المهاجمون الذين جمعوا بين الموهبة الفطرية والأخلاق الاحترافية كما فعل هاري كين. من أكاديمية توتنهام إلى أولمبياد ميونخ، رحلة طويلة من التضحية والصبر، بحثا عن لحظة تتويج طال انتظارها.
فقد بدأت الحكاية في شمال لندن، حيث خطف كين الأنظار بقميص السبيرز. هناك، أصبح الهداف التاريخي للنادي، وهداف الدوري الإنجليزي الممتاز، لكن خزانة ألقابه ظلت شبه فارغة. كرة القدم الإنجليزية، بكل قسوتها، منحته الحب لكن بخلت عليه بالألقاب. كان قرار الرحيل صعبا، لكنه كان ضروريا. ترك كين البريميرليغ، أغنى دوري في العالم وأكثرها إثارة، ليلتحق بالبوندسليغا. وفي بايرن ميونخ، وجد المهاجم الإنجليزي ما كان يبحث عنه: فريق يلعب كرة هجومية، ومدرب يفهم قدراته، وجمهور لا يقبل إلا بالفوز.
ومع ذلك، لم يكن الطريق مفروشا بالورود. في موسمه الأول، تعرض لانتقادات بسبب تراجع مستواه في بعض المباريات الكبرى، لكنه رد على المشككين بأرقام مذهلة. الموسم الماضي، قاد بايرن إلى لقب الدوري، وأصبح هداف البوندسليغا. هذا الموسم، تجاوز كل التوقعات.
وفي ليلة لا تنسى على ملعب أليانز أرينا، اكتسح بايرن ميونخ ضيفه أونيون برلين بسباعية نظيفة. لكن النتيجة وحدها لم تكن الحدث. الحدث الحقيقي كان هاري كين، الذي سجل هدفين رفعا رصيده إلى 101 هدف في البوندسليغا خلال 98 مباراة فقط. وبذلك، حطم الرقم القياسي المسجل باسم ديتر مولر، مهاجم كولن السابق، الذي احتاج إلى 129 مباراة للوصول إلى حاجز المئة هدف.
وهو أسرع لاعب يبلغ 100 هدف في تاريخ الدوري الألماني. رقم قياسي بطعم “أكتوبر فيست”. في ميونخ، حيث يحتفل الجميع بمهرجان البيرة الشهير، كان كين يحتفل بطريقته الخاصة. حصل على قطعة حلوى تقليدية على شكل قلب من خبز الزنجبيل تحمل الرقم 100، وارتدى القميص التقليدي الخاص بالمهرجان. إنها لحظة تجسد الاندماج الكامل بين النجم الإنجليزي ومدينته الجديدة.
وقال كين بعد المباراة: “أنا فخور. تسجيل 100 هدف في دوري مختلف يعد إنجازا رائعا. إنها خطوة كبيرة. شكرا للفريق، وشكرا للنادي، وشكرا للطاقم الفني والإداري”. كلمات بسيطة، لكنها تحمل معاني عميقة. كين ليس مجرد هداف، بل قائد حقيقي داخل غرفة الملابس.
ورغم الإنجاز التاريخي لكين، ذهبت جائزة أفضل لاعب في المباراة إلى الفرنسي مايكل أوليسيه، الذي قدم عرضا استثنائيا بتسجيله ثلاثة أهداف وصناعة هدف آخر. وهذا يؤكد أن بايرن ميونخ ليس فريقا يعتمد على نجم واحد، بل منظومة متكاملة. ومع ذلك، يبقى كين هو القلب النابض لهذه المنظومة.
سباق الكرة الذهبية يشتعل
ويعد كين أحد أبرز المرشحين للفوز بجائزة الكرة الذهبية لعام 2026. وهو ما زاد من حدة النقاش خلال الأسابيع الماضية. علق قائد منتخب إنجلترا بهدوء على التصريحات التي نسبت إلى النجم الإسباني الشاب لامين يامال بشأن معايير منح الجائزة، قائلا: “لا نعرف ما يقصده بالضبط. كل شخص مختلف عن الآخر، فلكل فرد رأيه وأسلوبه الخاص”.
وأضاف: “يامال لاعب مذهل وقدم موسما رائعا، شأنه شأن العديد من اللاعبين الآخرين”، مشيرا إلى أسماء مثل كيليان مبابي، ومايكل أوليسيه، ورودري. وتابع: “هناك مرشحون كثر، وربما لهذا السبب يزداد الجدل حول الأمر هذا العام. أما قرار منح جائزة الكرة الذهبية فلا يعود لي”.
لكن الحقيقة التي لا يراها كثيرون هي أن كين يستحق الكرة الذهبية أكثر من أي وقت مضى. فهو يجمع بين الأرقام الاستثنائية، والألقاب الجماعية، والتأثير الحاسم في المباريات الكبرى. في عالم كرة القدم، حيث يبحث النقاد عن اللاعب الذي يصنع الفارق، يبقى كين هو النموذج الأبرز.
تاريخ كأس العالم يشهد
في تاريخ كأس العالم، هناك مهاجمون صنعوا المجد بأهدافهم: جيرد مولر، باولو روسي، رونالدو، ميروسلاف كلوزه. هاري كين ينتمي إلى هذه المدرسة. قاد منتخب إنجلترا إلى نصف نهائي مونديال 2018، وتوج هدافا للبطولة. وفي كأس أوروبا 2024، قاد بلاده إلى النهائي. إنه لاعب يعرف كيف يظهر في اللحظات الكبرى. حيث قاد منتخب إنجلترا لتحقيق المركز الثالث في كأس العالم 2026، مسجلاً 6 أهداف خلال البطولة، ليصبح رسمياً الهداف التاريخي لمنتخب إنجلترا في تاريخ كأس العالم.
و اخيراأرى أن هاري كين هو المرشح الأقرب للفوز بالكرة الذهبية 2026. لا لأنه هداف فقط، بل لأنه يجسد قيم كرة القدم الحقيقية: العمل، التواضع، الاحترافية، والحسم في اللحظات الكبرى. في زمن تطغى فيه الأضواء على المواهب الشابة، يبقى كين مثالا على أن الخبرة والصبر يصنعان المجد.
وإن فاز كين بالكرة الذهبية، ستكون لحظة تاريخية ليس لإنجلترا فقط، بل لكل من آمن بأن كرة القدم تكافئ من يستحق. هاري كين، من قلب لندن إلى عرش ميونخ، قصة هداف يطارد المجد، ويستحق أن يمسك به أخيرا.



