كما كان متوقعًا، أُعلن مؤخرًا عن تشكيل “حكومة تأسيس” برئاسة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وذلك بعد مشاورات امتدت لأشهر أعقبت “إعلان نيروبي” الشهير، في أعقاب فشل المحادثات بين طرفي النزاع الدموي في السودان في التوصل إلى اتفاق سلام شامل.
هذا الإعلان، الذي يأتي في توقيت بالغ الحساسية، يُعد خطوة تصعيدية يُنظر إليها باعتبارها تمهيدًا فعليًا لتقسيم السودان، وهو سيناريو ظلّ حاضرًا في الأذهان منذ اندلاع التمردات المتعددة في دارفور بمسمياتها وتحالفاتها المختلفة، قبل أن تتوحد بعضها في جبهة واحدة بقيادة “قوات الدعم السريع”.
المشهد السياسي في السودان يزداد تعقيدًا، خاصة أن إعلان الحكومة الجديدة جاء قبل أيام من اجتماع الرباعية الدولية في واشنطن، المقرر نهاية هذا الشهر، بهدف بحث سبل وقف الحرب. وتشير التسريبات إلى أن الإدارة الأمريكية تعتزم التدخل بقوة لدفع الأطراف نحو تسوية سياسية، ما يجعل توقيت إعلان “حكومة التأسيس” محاولة واضحة للضغط على حكومة بورتسودان للجلوس إلى طاولة المفاوضات، أو الذهاب بالبلاد نحو تنفيذ “الخطة ب” التي قد تقود إلى سيناريو مشابه للحالة الليبية، بتعدد الحكومات والسلاح والولاءات.
إن التدهور الراهن هو نتاج مباشر لسياسات الإقصاء، والأنانية السياسية، وانعدام الأفق الوطني لدى النخب الفاشلة التي ما زالت تصر على جر البلاد نحو مزيد من الانقسام والدمار، ضاربة بعرض الحائط مصالح شعب يعاني من النزوح والجوع وفقدان الأمان، في وطن كان يسع الجميع.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على كل ضمير وطني:
ألم يَحِن الوقت لهؤلاء المتصدرين للمشهد أن يعوا خطورة ما آلت إليه الأوضاع؟ ألم يدركوا أن صراعهم هذا خاسر، وأن الشعب هو الضحية الوحيدة؟
إن التاريخ لا يرحم، والشعوب وإن طال صبرها، لا تنسى من كان سببًا في نكبتها.


