جاءت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت كعنوان بارز على صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية ــ السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، لكنها لم تكن مجرد بروتوكول دبلوماسي بارد. الزيارة حملت رسائل عملية وسياسية في آن: عن ملفات عالقة (السجناء والحدود والنازحين)، عن رغبة دمشق في إعادة رسم العلاقة مع جارتها وفق أولويات جديدة، وعن اختبار واضح لقدرة مؤسسات الدولة اللبنانية على اتخاذ مواقف مستقلة داخل خريطة قوى متشابكة محلياً وإقليمياً.
أولاً: ما الذي جرى على الأرض؟
الوفد السوري التقى قادة الدولة اللبنانية: رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الخارجية، وخرج اللقاء بتعهدات لإعادة تفعيل قنوات رسمية لحل ملفات عملية — من تحديد هوية المفقودين والسجناء إلى تأسيس لجان حدودية واتفاق على إعادة تنسيق دبلوماسي (تعيين سفير، إيقاف عمل المجلس الأعلى اللبناني ــ السوري وتقييد التواصل بالطرق الدبلوماسية الرسمية). تلك البنود تعكس رغبة واضحة لدى دمشق في ترتيب ملفات ملموسة قبل الدخول في أي استعادة «نفوذ» بالمعنى القديم.
ثانياً: غياب نبيه بري عن لائحة اللقاءات الرسمية ليس بريئاً
مفارقة سياسية لفتت الأنظار هي أن زيارة الشيباني جرت دون لقاء رسمي مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف التقليدي لحزب الله. غياب بري لا يقرأ كاهتمام بروتوكولي فقط، بل كرّس رسالة باهظة المعنى: أن العلاقات الرسمية بين الدولة اللبنانية وسوريا اليوم تُدار ــ على الأقل ظاهرياً ــ عبر قنوات المؤسسات الرسمية (رئاسة الجمهورية والحكومة) وليس عبر وساطات أو زعامات متحالفة مع فاعلين مسلّحين أو أحزاب إقليمية. هذا لا يلغي دور المؤسسات البرلمانية ولا أهمية بري صاحب ثقل سياسي محلي، لكنه مؤشر على رغبة دمشق في إعادة ترتيب الأولويات بعيداً عن هندسات النفوذ السابقة.
ثالثاً: ماذا تريد دمشق؟ وماذا يهم بيروت؟
الهدف السوري يبدو مزدوجاً: تطبيع علاقة جغرافية وسياسية تخدم احتياجات داخلية (ترتيبات حدودية، استرجاع مختطفين/سجناء، تنظيم عودة بعض النازحين) وفي الوقت نفسه تقليص المساحات التي كانت تستغلها فصائل أو شبكات تهريب أو تأثيرات إقليمية لتأمين مصالح غير رسمية على الأرض السورية. أما لبنان فبحكم وضعه الداخلي المتفجّر اقتصادياً وسياسياً، فبحث عن «حلول عملية» لملفات إنسانية وقانونية كانت تشكل ضغطاً يومياً على المواطنين وعلى أجهزة الدولة.
رابعاً: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تمارس سياسة مستقلة بمعزل عن نفوذ حزب الله؟
الجواب المختصر: جزئياً — والجزء الحاسم هنا هو التوازن بين الإرادة الرسمية والواقع الميداني. مؤسسات الدولة (رئاسة، حكومة، وزارة خارجية) تملك صلاحية إدارة علاقات خارجية وإبرام مراسيم واتفاقات، وقد استغلت ذلك لاستقبال الشيباني والتفاوض على ملفات عملية. لكن السياسة اللبنانية لا تُصنع بمعزل عن قواعد اللعبة الداخلية: التمثيل البرلماني، الزعامات الطائفية، وقوة فاعلين مسلحين كحزب الله الذين يمتلكون أدوات ضغط سياسية واقليمية. يعني ذلك أن لبنان يمكنه فتح ملفات عملية مع دمشق وإدارة تصور خارجي «دولتياً»، لكن أي تحوّل استراتيجي بعيد المدى سيعتمد على قدرة الدولة على فرض خيار موحّد داخلياً — وهو أمر يحتاج زمنًا وبنى مؤسسية لم تُستعاد بعد.
خامساً: رسائل إقليمية وخيارات مستقبلية
الزيارة وصلت أيضاً في سياق إقليمي متغيّر: تحالفات جديدة، وإعادات تموضع بعد سقوط أنظمة وسقوط موازين. دمشق تحاول أن تُثبت أن «سوريا الجديدة» مختلفة في سلوكها عن الماضي: تعامل رسمي أكثر وضوحاً مع دول الجوار، رفض لاختراقات من قبل مسلّحين تابعين لأطراف إقليمية، وسعي لإخراج الملفات من منطق الثأر والهيمنة إلى منطق المؤسساتية. لبنان من جهته أمام خيارين: إما بناء علاقة عملية تقوم على مصالح الدولة وتدفع بخطوط تعاون ضيقة وشفافة مع دمشق، أو ترك الساحة مفتوحة للنفوذ غير الرسمي الذي سيعيد إنتاج أزمات متكررة.
ختاماً: ما المطلوب من بيروت؟ توصيات قصيرة ومباشرة
- تحويل الاتفاقات المعلنة إلى لجان فاعلة شفافة تتضمن ممثلين قضائيين وأمنيين ودبلوماسيين — لمنع عودة المفاوضات لدهاليز النفوذ الحزبي.
- استثمار الملف الإنساني (النازحون، المفقودون، السجناء) كمدخل لعمل تقني بعيد عن التجاذبات، لأن تحقيق نتائج ملموسة هنا سيعزز مصداقية الدولة.
- الحفاظ على مظاهر الإجماع الرسمي: تنسيق بين الرئاسات والوزارة والمجلس النيابي لتقليل قدرة أي طرف داخلي أو خارجي على فصل القرار اللبناني عن مؤسسات الدولة.
- فتح قنوات رقابية مدنية وإعلامية تضمن متابعة ميدانية لأي اتفاق تنفذه الجهات الأمنية أو الحدودية، لتفادي صفقات خلفية تضر بمصالح المواطن.
الزيارة إذاً ليست نهاية لعبة بل بداية مفاوضة جديدة على قواعدها. السؤال السياسي الأكبر يبقى: هل ستنجح بيروت في تحويل هزة الزيارة إلى قوة دولة حقيقية أم أن الخرائط القديمة ستعيد إنتاج نفسها عبر قنوات أخرى؟ الجواب لا يتوقف على بروتوكول استقبال أو غياب زعيم واحد، بل على قدرة المؤسسات اللبنانية على ترجمة هذا الانفتاح إلى إصلاح مؤسسي وسياسة خارجية مستقلة بالخدمة الأولى لمصلحة المواطن


