بقلم/ بابكر عيسى أحمد
كثيرون يختزنون في دواخلهم الجمال والروعة والبهاء والتصالح مع النفس … هؤلاء الكثيرون لا نكتشف روعتهم إلا بعد الأقتراب منهم واكتشاف المضيء في دواخلهم … وهذا ما حدث معي خلال الأيام القليلة الماضية بعد اجتماع باتع في المركز الثقافي السوداني حيث سلمني الأستاذ والقانوني الضليع والأخ الصديق اسماعيل السيد أحمد أباعيسى -وهو من أهلي وقبيلتي- ملف أسماه “برنامج عمل لمناهضة خطاب الكراهية عبر مؤسسات المجتمع المدني” وأسميته أنا “خريطة طريق لمحاربة خطاب الكراهية” لروعة وشمول ما تضمنه هذا البرنامج.
أعادني خطاب الصديق اسماعيل لزمان مضى حيث كتبت في جريدة الراية بتاريخ 26 يونيو عام 2009 مقالة بالصفحة الأخيرة تحت عنوان “صناعة الكراهية” تساءلت في مستهلها “هل هناك في هذا العالم من الحب ما يكفي الجميع؟” وقلت أن البعض لا يجيدون سوى صنع الكراهية ورعاية البغضاء وزراعة الحقد في النفوس حتى تتحول جميع الأمكنة إلى فضاءات مسكونة بالفجيعة ومحاطة بالكراهية مملوءة بسحابه سوداء قاتمة تجعل الجميع عاجزون عن استنشاق هواء عليل وصحي عوضاً عن السخم والرماد والأوبئة الضارة ببراءة الإنسان ونقائه وعفويته.
يقول الأستاذ اسماعيل في مقدمة برنامج عمله “أن الحرب الدائرة رحاها في السودان أفرزت خطاباً بغيضاً للكراهية بين مكونات المجتمع السوداني وذلك من خلال التحريض على العنف والكراهية لتبرير أعمال العنف واستمرار القتال … ويضيف: أن الخطاب المحرض هو أداة لتجريد الآخر من إنسانيته وزعزعة استقراره وكسر الروابط الإجتماعية وتبرير الإنتهاكات الحقوقية مما يؤدي إلى تفكيك المجتمع عبر خلق التوترات الإثنية والتمييز العنصري والعنف المبرر وتدمير النسيج الإجتماعي حيث يقود في الآخر إلى تشظي الوطن”.
تهدف الخطة -التي طرحها الأستاذ اسماعيل- إلى مناهضة خطاب الكراهية عبر مؤسسات المجتمع المدني والتي تعد من أهم أدوات الحفاظ على السلم المجتمعي وترسيخ قيم التسامح والتنوع وتعزيز التماسك الوطني … وفي هذا السياق يورد تعريفاً شاملاً لخطاب الكراهية في الإتفاقيات الدولية، أبرزها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) وخاصة المادة 20 منه التي تنص على “أي تحريض على الكراهية القومية أو العرقية أو الدينية التي تشكل دعوة إلى التمييز أو العداء او العنف يكون محظوراً بموجب القانون”.
مفاد هذا التعريف بأن خطاب الكراهية هو أي خطاب يدعو أو يحرض على العنف أو التمييز أو العداء ضد فرد أو جماعة على أساس العرق أو الدين أو الجنس أو الأصل أو الإنتماء السياسي أو الإجتماعي أو أي هوية آخرى، سواء كان التعبير عنه باسلوب شفوي أو كتابي أو بصري يعد أحد الأسباب التي تساهم في تفكيك المجتمعات وانتشار العنف والكراهية المتبادلة بينها.
تشير الخطة إلى خمسة محاور أساسية لمناهضة خطاب الكراهية، وتتمثل هذه المحاور في التوعية والتثقيف بخطورة الخطاب والرصد والتوثيق لحالات خطاب الكراهية إلى جانب التدريب وبناء القدرات للعاملين في مجال المناهضة إضافة إلى تعزيز ثقافه الحوار والتعايش المجتمعي ومناصرة التشريعات والقوانين المناهضة لخطاب الكراهية.
يعد التثقيف والتوعية من الركائز الأساسية في مكافحة خطاب الكراهية اذ يسهمان في رفع مستوى الوعي المجتمعي وتعزيز مهارات التفكير النقدي وترسيخ قيم التسامح ونشر الرسائل الإيجابية من خلال تنظيم حملات إعلامية وإنتاج محتوى رقمي إيجابي يروج لقيم التسامح والإحترام المتبادل وعقد ورش عمل وندوات حول ثقافة الحوار والتعايش السلمي ونبذ العنف اللفظي وتصويب المفاهيم الخاطئة المنتشرة عبر وسائل التواصل الإجتماعي.
لتحقيق هذه الأهداف النبيلة لابد من تحديد الفئات والجهات المستهدفة وخاصة رواد مواقع التواصل الإجتماعي بما فيهم الشباب والصحفيون والإعلاميون و معلمو المدارس وأساتذة الجامعات … ووسائل التنفيذ بسيطة من خلال وسائل الإعلام التقليدية وبث إعلانات تلفزيونية وإذاعية قصيرة وإعداد برامج حوارية تظهر آثار خطاب الكراهية.
على صعيد وسائل الإعلام الحديثة يقترح الأستاذ اسماعيل إنشاء “هاشتاق” موحد لحملة ضد خطاب الكراهية وإنتاج محتوى بصري جذاب والتعاون مع مؤثرين لنشر الرسائل الإيجابية والتشجيع على مشاركة قصص وتجارب إيجابية عن التسامح، وإشراك الشباب والنساء بشكل فعال، واعتماد مدونات السلوك الصحفي المعتمدة محلياً ودولياً.
المعايير التي يُعرف بها خطاب الكراهية يمكن الإسترشاد بتعريف الأمم المتحدة واليونسكو لخطاب الكراهية والقوانين الوطنية المنظمة للإعلام والإتصال إلى جانب القانون الجنائي وكافة التشريعات ذات الصلة وتحليل البيانات وإعداد التقارير وإقامة شراكه مع الهيئات والمنظمات المتخصصة.
أعادتني “خارطة الطريق” التي أعدها الأستاذ اسماعيل إلى المقال الذي كتبته قبل نحو 16 سنة والذي قلت في خاتمته “إنني على يقين أن الحب والتسامح سينتصران على الكراهية، لأن الحب هو الخير والأنانية هي أول بذور الكراهية” وقلت: إنني ما زلت اعتقد أن هناك من الحب ما يكفي الجميع وأن الإنسان اذا كسب الدنيا وخسر نفسه فإن ذلك سيكون هو الخسران الكبير.
أسال الله أن يلهم أهلي الصواب وأن تضع الحرب أوزارها لأن السودان -بعيداً عن الكراهية والبغضاء- يمكن أن يسع أهله ليعيشوا بالمحبة والتسامح وأن يصير وطناً نافعاً لأهله ومفيداً لمحيطه.



