
الدولار والأسعار في الواجهة وسط قلق المواطن ..تساؤلات..
جبريل وصفها بحرب اقتصادية وإعلامية منظمة ..استهداف الدولة..
مايحدث لا يعكس حقيقة وضع الاقتصاد ..مضاربات..

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
تحوّلت الأزمة الاقتصادية في السودان إلى واحدة من أكثر القضايا التصاقاً بحياة المواطنين، في وقت يتزامن فيه تراجع الجنيه وارتفاع الأسعار مع حديث رسمي يضع الأزمة الاقتصادية في سياق أوسع من مجرد اختلالات السوق، وتأتي تصريحات وزير المالية دكتور جبريل إبراهيم. ورئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في اليوم نفسه، لتقدما روايةً رسمية متقاربة بشأن طبيعة الأزمة، وإن اختلفت زاوية تناول كل منهما لها.
الاقتصاد في قلب المعركة:
وقد وضع وزير المالية الأزمة الاقتصادية في صدارة حديثه، مؤكداً أن السودان يتعرض، لـحرب اقتصادية وإعلامية منظمة تستهدف تركيع الدولة، وقال إن ما يدور في الأسواق من مضاربات لا يعكس حقيقة الاقتصاد السوداني، وأكد جبريل أن الاقتصاد «بخير» رغم التحديات والمشاق التي يعيشها المواطن، مشيراً إلى امتلاك البلاد موارد وفرصاً كبيرة، وأن السودان يمضي نحو النهضة والانتعاش، قبل أن يؤكد أن الحكومة تعرف الطريق الذي تسير فيه ولن تتراجع عنه، ووفقاً لمراقبين فإن تصريح وزير المالية يضع الحكومة أمام مسؤولية أكبر، فإذا كانت المضاربات جزءاً من حرب اقتصادية، فإن المواطن ينتظر معرفة كيف تُدار هذه الحرب، ومن أين يأتي الضغط على العملة، وما الإجراءات العملية التي يمكن أن توقف انعكاساته على الأسواق.
وجه آخر للمعركة:

ولعل اللافت أن تصريحات وزير المالية تزامنت مع تصريحات رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة فريق أول ركن عبد الفتاح البرهان الذي قال إن المعركة تعددت أوجهها، وإن الأزمة الاقتصادية وغلاء الأسعار وشح الموارد ما هي إلا جزء من هذه المعركة، مؤكداً أن السودان سيخرج منها منتصراً كما أخرج التمرد من الخرطوم ومدن أخرى، ومن هنا فإن التزامن بين التصريحين يرسم ملامح رؤية رسمية واحدة مفادها: أن الأزمة الاقتصادية ليست منفصلة في نظر القيادة والحكومة عن ظروف الحرب وما يرتبط بها من ضغوط على الموارد والأسواق والعملات.
ضيق حقيقي:
والواقع أن المواطن، لا يتعامل مع الأزمة الاقتصادية باعتبارها مفهوماً سياسياً أو اقتصادياً مجرداً، وإنما يلمس المواطن هذه الأزمة في سعر الرغيف، والدواء، والمواصلات، والسلع الأساسية، وقيمة دخله في نهاية الشهر، ويرى مواطنون تحدثوا للكرامة أن الضيق الاقتصادي حقيقي ولا يحتاج إلى إثبات، لكنهم يرفضون أن تتحول معاناتهم إلى مدخل لصراع سياسي جديد، ويستند هذا الموقف إلى ذاكرة حرب لا تزال حاضرة بكل ما خلفته من قتل ونزوح وانتهاكات ودمار، ولذلك فإن كثيراً من المواطنين يريدون معالجة الأزمة، لكنهم لا يريدون أن تكون معالجة الغلاء بوابة لإعادة إنتاج الفوضى، فالمطلوب في نظرهم أن تُسمع شكواهم وأن تُعالج أسباب ارتفاع الأسعار، من دون أن يصبح المواطن وقوداً لصراع جديد.
اختبار أصعب:

وتظل العملة الأجنبية في قلب المشهد، بعدما أقر وزير المالية قبل أيام بأن تراجع سعر صرف الجنيه يرتبط بارتفاع الطلب على النقد الأجنبي وزيادة الواردات مقارنة بالصادرات، في وقت تجاوز فيه الدولار في السوق الموازية حاجز ثمانية آلاف جنيه، وهنا تتقاطع الروايتان: فهناك عوامل اقتصادية معلنة تتعلق بالنقد الأجنبي والواردات والصادرات، وهناك في المقابل اتهام رسمي بوجود مضاربات واستهداف اقتصادي، فكيف إذن يمكن وقف تدهور العملة، وضبط المضاربات، ومنع انتقال كل حركة في سعر الدولار مباشرة إلى جيوب المواطنين؟.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن كان الاقتصاد مستهدفاً، فإن كشف طبيعة الاستهداف للرأي العام يصبح جزءاً من المواجهة، وإذا كانت المضاربات وراء جانب من الأزمة، فإن كشف آلياتها ومواجهتها سيعيد قدراً من الثقة، وإذا كانت المشكلة مرتبطة باختلالات اقتصادية حقيقية، فإن شرحها بشفافية يفتح الطريق أمام فهمها ومعالجتها، وفي المحصلة، فإن تزامن حديث البرهان وجبريل قد وضع الأزمة الاقتصادية في قلب المعركة السياسية والاقتصادية، لكن المعركة الأهم بالنسبة للمواطن تظل معركة يومية مع الأسعار والدخل وسعر الصرف، وما ينتظره السودانيون ليس فقط تأكيد أن الاقتصاد سيخرج منتصراً، وإنما أن يروا ملامح هذا الانتصار في الأسواق وفي معاش الناس.



