

+محمد عبد الباقي
في حي السبيل الحارة 13 بأمبدة، اختار الشقيقان أحمد ومحمد عثمان محمد علي حمدوبة البقاء في منزلهما بعد سيطرة الدعم السريع على المنطقة.
كان بقاؤهما تحت الخطر من أجل حماية منزلهما من اللصوص و الشفشافة الذين استغلوا حالة الفوضى وانهيار الأمن التي رافقت الحرب وشرعوا في سرقة ممتلكات المواطنين.
في تلك الأيام تحولت أمبدة إلى منطقة معزولة تماما عن محيطها.
فالمواطنون الذين يحاولون النزوح باتجاه مناطق سيطرة الجيش كانوا يتعرضون للقبض والاعتقال بحجة أنهم قادمون من مناطق سيطرة الدعم السريع، بينما من بقى عليه العيش بدون ماء ولا غذاء ..
مع هذه المعاناة، كانت العصابات المسلحة تتحرك بحرية واسعة في الأحياء بحثاً عن ضحايا أو ممتلكات لنهبها.
رغم هذه المخاطر لم يكتف أحمد ومحمد بحراسة منزلهما.
كان الشقيقان يساعدا العالقين في المنطقة.
يوفران المياه والغذاء، ويساعدان الأسر التي لم تتمكن من مغادرة الحي، كما كانا يتدخلان لإغاثة المواطنين الذين يتعرضون لهجمات اللصوص ..
يقول الصحفي عبدالباقي جبارة رئيس تحرير موقع ترياق نيوز: نيابة عن أسرتهما:” لم تكن لهما علاقة بأي من طرفي الحرب. كان أحمد لاعب كرة قدم ومدرباً لفريق القادسية بأمبدة، بينما كان محمد متطوعاً وناشطاً اجتماعياً معروفاً بمساعدة الناس وتقديم العون للمحتاجين”.
يضيف جبارة :” يبدو أن سلميتهما وعدم انخراطهما في الحرب، لم يكونا كافيين لحمايتهما”.
يستطرد عبدالباقي :” بعد أيام من بقائهما في المنزل، جاءت عناصر من الدعم السريع إلى المكان واعتقلتهما”.
جرى اعتقالها في يوم الأحد 14 أكتوبر 2023.
لم تتوقع أسرتهما أن اعتقالهما الذي كان يبدو بسيطاً، سيعود منه أحد الشقيقين جثماناً، بينما سيظل الآخر غائباً حتى اليوم.
لكن هذا ما حدث بالضبط.
في اليوم الثاني لاعتقالهما عُثر على محمد مقتولاً بالقرب من ميدان نادي الربيع الذي حوله الدعم السريع لمركز احتجاز وعليه آثار تعذيب..
كانت جثته تحمل آثار ما تعرض له قبل موته، لتصل إلى والدته سعدية على عثمان مدني واحدة من أقسى الأخبار التي يمكن أن تسمعها أم عن ابنها.
مأساة الأسرة لم تتوقف عند موت محمد
فأحمد، لم يظهر ولم يعرف مكانه إلى اليوم.
منذ ذلك اليوم ظل مصيره مجهولاً، فيما ظلت والدته سعدية، البالغة من العمر 65 عاماً، تعيش بين ألم فقدان ابنها محمد وأمل العثور على ابنها الآخر أحمد.
أكثر من ثلاثة أعوام انقضت، لكن لم تستطع سعدية تجاوز المأساة. مجرد أعوام مضت غير كافية لإخفاء الحزن لأن جزءاً من القصة ما زال ناقصاً.
قتل محمد، لكن ماذا حدث لأحمد.
هل لا يزال حياً، يتنفس؟
هل ما زال قابعاً في سجون الدعم السريع؟
كيف ومتى نُقل بعيداً عن الخرطوم؟
هل قتل مثلما قتل شقيقه، ولم يعثر على جثمانه أو يعرف مكان قبره؟
يقول عبد الباقي جبارة :” هذه الأسئلة أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لوالدتهما التي لا تعرف كيف تصل إلى سجون الدعم السريع لمعرفة مكان ابنها، ولا الجهة التي يمكن أن تمنحها إجابة حاسمة. وكلما مر الوقت، أصبح العثور عليه أكثر صعوبة. وانتظار عودته أشدة ألماً”.
اليوم الحرب تقترب من أن تطوي عامها الرابع، وقد مضى أكثر من عامين على خروج الدعم السريع من الخرطوم، فيما تأكد نقل آلاف المحتجزين من العاصمة إلى مناطق في دارفور، لكن لا أحد يجزم بوجود أحمد بينهم.
لا تعرف سعدية إن كان أحمد لا يزال بين هؤلاء المعتقلين، أم أنه توفي في أحد أماكن الاحتجاز ولحق بشقيقه محمد.
كان الدعم السريع يعتقل أعدادا كبيرة من المدنيين في سجون ومراكز احتجاز بالخرطوم، بعضهم قتل عمدا بالتعذيب وبعضهم توفي بسبب الأمراض وظروف الاعتقال القاسية، في حين نُقل آخرون إلى دارفور.
ومن بين أماكن الاحتجاز الجديدة في دارفور سجن دقريس شديد الحراسة، بالقرب من نيالا، حيث يُعتقد أن أعداداً من المعتقلين نُقلوا إليه وسط غياب معلومات واضحة عن مصيرهم.
وجود معتقلين في دقريس ليس خبرا عابرا في تفاصيل الحرب المدمرة بالنسبة للحاجة سعدية، بل هو احتمال وأمل واسع يتعلق بابنها الذي لم تره منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
تعيش هذه الأم المكلومة فراغين الأول تركه محمد بعد موته، والثاني تركه أحمد منذ اختفائه.
لم يعد الحزن عند سعدية مجرد ألم لأم اكتوت بالفقدان، فقد حفر مقتل محمد آثاراً عميقة في نفسيتها، بينما تترقب أخبارا عن عودة أحمد.
لم تيأس مطلقا وكل خبر عن خروج معتقلين من سجون الدعم السريع يعيد إليها الأمل وكل حديث عن جثة مجهولة يعيد فتح الجرح الذي لم يلتئم.
تتعاظم الفجيعة عندما تتذكر الأم بأن أحمد كان بالنسبة لها لاعب كرة قدم ومدرباً، وكان يمارس حياته بعيداً عن السياسة والانقسامات. أما محمد فقد كان متطوعاً وناشطاً اجتماعياً، اختار مساعدة الناس في وقت كان فيه كثيرون يبحثون فقط عن وسيلة للنجاة.
تقدر بعض المنظمات عدد الأشخاص المخفيين والمفقودين لدى طرفي الحرب في السودان بأكثر من 50 ألف شخص، وخلف هذا الرقم الكبير آلاف الأسر التي تعيش تجربة الأم سعدية .
آلاف الأمهات يسألن، والأباء يبحثون، بينما آلاف زوجات ينتظرن.. إما الأطفال يكبرون كل يوم دون أن يعرفوا لماذا اختفى أباؤهم !!
فالأرقام مهما كانت كبيرة وصادمة لا تختصر وجع الأمهات ولا تخفف حزن الزوجات.
فالسؤال واضح رغم تعقيدات الحرب:
أين هؤلاء.. أين أحمد.. لماذا قتل محمد تحت التعذيب؟
اليوم لا تريد سعدية سوى معرفة الحقيقة.
لو كان ابنها حياً، تريد أن تراه حراً بعيدا عن الأغلال، وإن كان قد مات، تريد أن تعرف أين وكيف ولماذا قتل؟
أما أن يبقى مصيره معلقاً بين الحياة والموت، فذلك هو الجزء الأكثر قسوة في هذه الحكاية.
فالحرب قد تقتل الإنسان لكن لا ينبغي أن تقتل حق أمه في معرفة الحقيقة.



