لم تكن الخرطوم بحاجة إلى جرس إنذار جديد لتدرك حجم التهديد الذي يحيط بها، لكن صباح الثلاثاء حمل رسالة قاسية حين عادت الطائرات المسيّرة لتستهدف شرايين الحياة في العاصمة، من محطات الكهرباء إلى مصافي النفط ومصانع السلاح. أصوات الانفجارات التي دوّت في بحري وأم درمان، وأعمدة الدخان التي تصاعدت من المرخيات والجيلي، لم تكن مجرد مشهد عابر، بل إعادة تأكيد أن معركة الخرطوم لم تنتهِ، وأن شبح الحرب لا يزال يحوم فوق المدينة.
الهجمات كشفت عن مرحلة جديدة من التصعيد، تستهدف البنية التحتية مباشرة، في محاولة لإرباك الحياة اليومية وإغراق العاصمة في الظلام. وفي بلد أنهكته الحرب على مدى أكثر من عامين، تبدو مثل هذه العمليات تهديداً مزدوجاً: فهي لا تضرب فقط المنشآت الحيوية، بل تهدد كذلك ما تبقى من ثقة المواطن في عودة الاستقرار.
العودة المكثفة للمسيّرات تضع الجميع أمام سؤال خطير: هل نحن على أعتاب جولة جديدة من الاستهداف المنهجي للعاصمة، بعد فترة من التراجع النسبي للهجمات؟ وإذا صح ذلك، فماذا يعنيه بالنسبة لمستقبل الخرطوم كمدينة يمكن أن تستعيد دورها السياسي والاقتصادي والإداري؟
إن استهداف الكهرباء والمصافي لا يندرج فقط ضمن العمليات العسكرية التقليدية، بل يدخل في إطار حرب الأعصاب واستنزاف مقومات البقاء، وهو ما يضاعف من مسؤولية الدولة في حماية البنى التحتية، والتعامل مع الحرب بأدوات سياسية وأمنية أكثر فعالية.
الخرطوم اليوم تقف على مفترق طرق، فإما أن تتمكن من صدّ هذه التهديدات وإعادة بناء الثقة، أو أن تجد نفسها أمام دوامة جديدة من الفوضى والانهيار. والواجب الوطني الآن يفرض أن يكون الرد بحجم التحدي، ليس عسكرياً فقط، بل عبر رؤية شاملة تُعيد للعاصمة حقها في الأمان والاستقرار.


